في:  
                       
 
 
 

من حياة سماحته قائمة المؤلفات الأحکام و الفتاوى الأسئلة العقائدية نداءات سماحته  الصور  لقاءات و زيارات
المکتبة الفقهية المختصة الصفحة الخاصة المواقع التابعة أخبار المكاتب وعناوينها الدروس المناسبات القرآن والمناجات

<<التالي الفهرس السابق>>


نهاية التقرير


الجزء الثاني



(الصفحة5)




المطلب الثاني




في




أفعال الصلاة






(الصفحة6)







(الصفحة7)







أفعال الصلاة



إعلم أنّ الصلاة مركبة من عدّة وجودات متبائنة الحقائق تتحقق بتحققها بأسرها ، ويكون كل واحد من تلك الوجودات بعضاً لوجود عنوان الصلاة ، كما هو الشأن في جميع المركبات الاعتبارية ، فإنّها عبارة عن اعتبار الوحدة بين أشياء متخالفة الحقايق باعتبار ترتب غرض واحد عليها ، ويكون كل واحد منها بعضاً لوجود ذلك المركّب .
وقد حققنا في موضعه(1) أنّه يمكن أن يكون للشيء الواحد أبعاض كثيرة ، كالماء الواحد ، بل يمكن أن يعرض كل واحد منها ضدّ ما يعرض الآخر وحينئذ فالأمر المتعلّق بالصلاة ينبسط على تلك الوجودات ، بحيث يصير كل واحد منها متعلّقاً لبعض ذلك الأمر وتحقيق الكلام في محلّه .
ثمّ إنّ الشارع لم يتصرّف في معنى الصلاة أصلا ، بل استعملها في معناها الذي

(1) نهاية الاُصول : 51 ، مبحث الصحيح والأعمّ.

(الصفحة8)

كان يفهم منها قبل التشريع ، وهو التذلّل والخضوع في مقابل المعبود ، كما هو المفهوم منها عند جميع المتدينين قبل الإسلام .
غاية الأمر أنّ ذلك يتحقق بكيفية خاصة ونحو مخصوص عند كل قوم ، والنبي(صلى الله عليه وآله) قد أبطل جميع الكيفيات ، وبيّن أنّ ما يتحقّق به ذلك المعنى هي هذه الكيفية المعروفة بين المسلمين ، وهي التي رواها العامة عنه(صلى الله عليه وآله)  ، أنّه قال : «صلّوا كما رأيتموني أُصلّي»(1) .
وبالجملة : فالصلاة وما يرادفها من سائر اللغات عبارة عن الأفعال التي يؤتى بها في مقابل المعبود تذلّلا وتخضّعاً ، والاختلاف بين الأديان إنّما هو في تلك الأفعال .

(1) صحيح البخاري 7 : 102 ، ح6008 وج8 ، ص169 ، ح7246; السنن الكبرى 2 : 345 ، سنن الدارقطني 1 : 272 ، ح1296 .

(الصفحة9)







الأوّل من أفعال الصلاة : النيّة



ثمّ إنّهم ذكروا أنّ أوّل أفعال الصلاة النية ، وقد يقال في معناها: أنّها هي الإرادة التي لابدّ منها في كل فعل اختياريّ ، وأنت خبير بأنّ النية بهذا المعنى ممّا ليس لبيانه ارتباط إلى الشارع أصلا، كما هو واضح، بل المراد منها هو القصد إلى عنوان الصلاة.
توضيح ذلك ، إنّ الأفعال على قسمين : قسم لا يتوقف تحقق عنوان الفعل على كونه مقروناً بقصد ذلك العنوان ، كالأكل والشرب والقيام والقعود وأمثالها ، وقسم يكون تحقّق عنوان الفعل متوقفاً على قصد ذلك العنوان ، كالتعظيم للقادم ، فإنّ مجرد القيام عند قدومه لا يتّصف بعنوان التعظيم ولا يتحقّق به ، بل صدقه يتوقف على قصد التعظيم ، وكونه هو الداعي إلى القيام ، وإلاّ فهو قد يكون لغرض آخر ما عدا التعظيم ، بل قد يكون للسخرية والاستهزاء ، وهذا القسم هو المسمّى بالعناوين القصدية ، وله مصاديق كثيرة في أبواب الفقه ، ولا يختصّ بالعبادات ، بل له مصاديق في التوصليات ، كما أنّه لا يختصّ بما إذا كان متعلّقاً للأمر ، لأنّ أكثر المعاملات بل جميعها من هذا القبيل  .


(الصفحة10)

العناوين القصديّة:
ومن مصاديق هذه العناوين: «أداء الدين» ، فإنّ إعطاء المال إلى الدائن لا يتعيّن لكونه أداء للدين إلاّ بعد قصد هذا العنوان ، وإلاّ فهو مشترك بين الأداء والهبة ونظائرهما ، فالتخصّص بهذه الخصوصية لا يأتي إلاّ من قبل قصدها ، ثمّ لو فرض إنّه استدان مرّتين ، فهل يجب عليه عند الأداء قصد الخصوصية من هذه الجهة ، أي الأولية والثانوية أيضاً؟ الظاهر العدم ، بل لا يجب عليه إلاّ قصد عنوان أداء الدين فقط .
ومنها : «الوفاء بالنذر» ، فإذا نذر إعطاء درهم إلى الفقير إذا قضى الله حاجته مثلا يجب عليه عند الوفاء قصد هذا العنوان ، لأنّ الصورة المشتركة بين الوفاء بالنذر وبين غيره لا تتعيّن للأوّل إلاّ بالقصد إلى عنوانه .
ومنها : «أداء الزكاة» ، فإنّ دفع المال إلى مستحقّ الزكاة لا يوجب خروج الدافع عن عهدة التكليف بأدائها إلاّ بعد تحقّق القصد إلى عنوانها ، وهذا أمر لا ربط له بمسألة قصد القربة المعتبرة في الزكاة .
ومنها : «ردّ الخمس» ، فإنّه أيضاً يكون كأداء الزكاة .
ومنها : «أفعال الحجّ» .
ومنها : «الصوم» ، فإنّ قوله : «من لم يبيّت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له»(1) ، ناظر إلى أنّ تحقق عنوان الصوم متوقف على بيتوتته من الليل ، وإرادة إيجاد الصوم منه .
وبالجملة : فلهذا الأمر عرض عريض في أبواب الفقه ، فإنّ أكثر العبادات وأكثر المعاملات بل جميعها ممّا لا تتحقّق إلاّ بعد القصد إلى عنوانها ، لتوقف

(1) سنن النسائي 4: 201 ب68; السنن الكبرى للبيهقي 4: 202 ـ 203.

(الصفحة11)

الاختصاص بأحدها على هذا القصد ، لاشتراك صورة العمل غالباً كما هو غير خفي .
إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم أنّ من العناوين القصدية عنوان الصلاة ، فإنّ مجرّد الإتيان بصورتها مع الغفلة عن عنوانها وعدم القصد إليه لا يكفي في حصولها كما هو واضح . وكما يجب القصد إلى عنوان الصلاة في جميع الصلوات الواجبة والمندوبة ، كذلك يجب القصد إلى الأنواع الواقعة تحت هذا الجنس ، فيجب في الظهرين مثلا القصد إلى عنوان الظهرية والعصرية ، ولا يكفي في تحققهما مجرّد التقدّم والتأخر ، وإلاّ لما كان وجه لما دلّ على شرطية الإتيان بالظهر للعصر ، وإنّه يجب الإتيان بالظهر أولا ، ثمّ الإتيان بالعصر ، إذ لو كانت الصلاة الواقعة أولا متعينة للظهر ولو لم يقصد بها عنوان الظهريّة لما كان المكلّف قادراً على الإتيان بالعصر مقدّماً على الظهر ، حتى يكون الإتيان بالظهر من شرائط تحقّق العصر كما هو واضح .
وأيضاً لو كان مجرّد التقدّم كافياً في تحقّق عنوان الظهرية ، لما كان وجه لما دلّ على أنّه لو صلّى صلاة العصر بتخيّل أنّه أتى بصلاة الظهر ، فانكشف الخلاف ، وإنّه لم يصلّ الظهر بعد ، فإن كان في الأثناء يجب العدول إلى الظهر ، وإن كان بعد الفراغ يجب الإتيان بصلاة الظهر ، ويجزيه ما فعل عن صلاة العصر ، ووجه دلالته على المقصود واضح .
ويجب أيضاً القصد إلى عنوان الفرض والنفل ، لأنّهما ليسا عبارة عن مجرّد تعلّق الأمر الوجوبي أو الاستحبابي ، وإلاّ لكان المأتيّ به أولا بعد طلوع الفجر من الركعتين متعيّناً للفريضة ، نظير ما إذا أمر المولى عبده بإعطاء درهم إلى زيد واستحبّ له إعطاء درهم آخر إليه ، فإنّه يتعيّن إعطاء الدرهم الأوّل للوجوب ، والدليل عليه سقوط الأمر بمجرّده ، لأنّ مطلوبه الإلزامي قد حصل ، فلا مجال لبقاء الأمر .


(الصفحة12)

وحينئذ فلو كان مجرّد تعلّق الأمر الوجوبي كافياً في تحقّق عنوان الفرض ، ومجرّد تعلّق الأمر الاستحبابي كافياً في تحقّق عنوان النفل من دون حاجة إلى قصد عنوانهما ، يلزم ما ذكر من تعين المأتي به أولا بعد طلوع الفجر لفريضة الصبح ، كما عرفت في المثال . فانقدح من ذلك أنّهما عنوانان مفتقران في التحقق إلى القصد إليهما .
كما أنّه يجب القصد إلى عنوان القضاء والأداء ، لكون تميّز الصلاة التي لها أربع ركعات مثلا المأتي بها قضاءً عن صلاة العشاء الفائتة عن صلاة الظهر والعصر الأدائيتين المشتركتين معها في الصورة ، إنّما هو بالقصد إلى كونها قضاءً عنها ، وإلاّ لما كان وجه للنزاع في تقديم القضاء على الأداء أصلا كما لايخفى .
ثمّ إنّه لا يجب القصد إلى عنوان القصر والإتمام وفاقاً للمشهور(1) ، لأنّ القصر عبارة عن مجرّد ختم الصلاة في الركعة الثانية ، كما أنّ الاتمام عبارة عن إضافة الركعتين إليها ، فلو شرع في الصلاة في مواضع التخيير بنية القصر ، ثمّ أراد الاتمام بعدد الاتيان بركعتين وأتم صحت صلاته ، كما إنّه لو شرع فيها بنية الإتمام ثمّ بدا له القصر فقصّر لم تبطل صلاته .
وكذلك لا يجب القصد إلى عنوان الانفراد في صلاة الفرادى ، ولا عنوان الإمامة في الجماعة بالنسبة إلى الإمام ، فإنّ صلاته كصلاة المنفرد بلا اعتبار خصوصية زائدة فيه أصلا ، خلافاً لأبي حنيفة من العامة(2) ، فإنّه اعتبر في صلاة الامام قصد الإمامة ، وأمّا المأموم فيعتبر في صلاته جماعة قصد الائتمام بإمام معيّن ، وإلاّ لم تصر صلاته جماعة .

(1) المدارك 3: 311; رياض المسائل 3: 355; جواهر الكلام : 9 / 165; مفتاح الكرامة : 2 / 323 ; كشف اللثام 3: 415.
(2) المجموع 4: 203; الخلاف : 1 / 565 مسألة 317 .

(الصفحة13)

العدول من الائتمام إلى الانفراد
وحيث انتهى الكلام إلى هذاالمقام، فلابأس أن نتعرّض للمسألة المعنونة في صلاة الجماعة ، وهي أنّه هل يجوز العدول من الائتمام إلى الانفراد في أثناء الصلاة أم لا؟
فنقول : لا يخفى أنّ هذه المسألة ليست معنونة في كتب قدماء أصحابنا الإمامية رضوان الله عليهم ، لا في الكتب الموضوعة لنقل الفتاوى المتلقّاة عن الأئمة(عليهم السلام) بعين ألفاظها الصادرة عنهم ـ كأكثر كتب المتقدمين(1) ، فإنّ المتداول بينهم هو ذكر الروايات بعين ألفاظها في كتبهم الفقهية ، من غير تعرّض لما هو خارج عن موردها ، واستنباط حكمه منها ، ولذا صار ذلك موجباً لطعن العامة عليهم ، والنظر إلى فقه الإمامية بعين التحقير ، وكان ذلك سبباً لتصنيف الشيخ أبي جعفر الطوسي(قدس سره) ، كتابه الكبير الموسوم بالمبسوط ، كما ذكر ذلك في مقدّمته(2)ـ ولا في سائر كتبهم .
وبالجملة : فلم يرد في المسألة نصّ ولا ما يدل على وجوده كالذكر في تلك الكتب ، ولا أفتى بحكمه أحد من المتقدمين ، نعم ذكره الشيخ في مواضع من المبسوط والخلاف .
قال في باب صلاة الجماعة من المسبوط : من فارق الإمام لغير عذر بطلت صلاته وإن فارقه لعذر وتمّم صلاته صحّت صلاته ولا يجب عليه إعادتها(3) .
وقال في الخلاف في باب صلاة الخوف فيما إذا صلّى صلاة الخوف في غير الخوف بعد الحكم بصحّة صلاة الامام والمؤتمين على أي وجه وقعت ، ونقل الخلاف من بعض العامة ما هذا لفظه : دليلنا إنّه ليس على بطلان شيء من هذه

(1) كالمقنعة للمفيد والمقنع للصدوق والنهاية للشيخ والغنية لابن زهرة والكافي لأبي الصلاح.
(2) المبسوط 1 : 1 ـ 2 .
(3) المبسوط 1 : 157 .

(الصفحة14)

الصلوات دليل ، فيجب أن تكون كلّها صحيحة ، ومن ادّعى أنّه من حيث فارق الإمام بطلت صلاته، فعليه الدليل(1) .
وقال فيه أيضاً في باب صلاة الجماعة : مسألة فيها ثلاث مسائل ومجملها هي مسألة الاستخلاف ، ونقل نيّة الجماعة إلى الانفراد ، والعدول عن الانفراد إلى الجماعة ، ثمّ قال : دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم ، وقد ذكرناها في الكتاب الكبير ، ولأنه لا مانع يمنع منه ، فمن ادّعى المنع فعليه الدلالة(2) ، انتهى .
ولا يخفى أنّ التمسّك بإجماع الفرقة وأخبارهم الظاهر في كون المسألة منصوصة إنّما هو لخصوص المسألة الاُولى(3) ، وإن كان ظاهر العبارة خلافه ، وأنّ اجماع الفرقة وأخبارهم قائم على المسائل الثلاث ، لوضوح عدم ورود نصّ بالنسبة إلى ما عدى المسألة الاُولى ، ولم يذكر نصّاً على ذلك لا في كتابه الكبير المسمّى بالتهذيب ، ولا في غيره .
نعم يمكن استفادة حكم الأخيرتين ، ممّا ورد في مسألة الاستخلاف ، لأنه مبني على صيرورة الصلاة فرادى ، ثمّ جماعة ، فباعتبار صيرورتها فرادى يصح العدول من الجماعة إلى الانفراد ، وباعتبار صيرورتها ثانياً جماعة بعد الفرادى ، يصح العدول من الانفراد إلى الجماعة .
هذا ، ولكن الاستفادة ممنوعة ، لأنّ الاستخلاف ليس مبنياً على صيرورة الصلاة فرادى ، حتى تصير جماعة ثانياً ، لما سيأتي في باب الجماعة . وكيف كان فقد عرفت أنّ الشيخ أوّل من تعرّض للمسألة في بعض كتبه الفقهية ـ المصنّف على خلاف ما هو المتداول بين الفقهاء ـ كالمبسوط والخلاف ، وقد عرفت أيضاً أنّ

(1) الخلاف 1 : 648 مسألة 420 .
(2) الخلاف 1: 552 مسألة 293 .
(3) وهي : من صلّى بقوم بعض الصلاة .

(الصفحة15)

مختاره في الأوّل التفصيل بين صورة العذر فيجوز ، وغيرها فلا يجوز .
ثمّ لم يتعرّض لها أحد من الفقهاء المتأخرين عن الشيخ إلى زمان صاحب الوسيلة(1) ، فإنّه تعرّض لها فيها تبعاً له ، حيث عدّ في جملة محظورات الجماعة مفارقة الإمام لغير عذر . هذا ، وظاهر جماعة من المحققين كالمحقّق(2) ، والعلاّمة(3) ، والشهيد الثاني القول بالجواز مطلقاً . واختار أكثر المتأخرين كصاحبي الحدائق ، والمدارك ، والنراقي في المستند(4) ، وصاحب المفاتيح(5) ، وشارحه المحقّق البهبهاني(قدس سرهم)المنع مطلقاً(6) .
ثمّ إنّ القائل بالمنع يمكنه تقرير مختاره بوجوه :
الأوّل : إنّ قصد الانفراد لا يؤثّر في صيرورة الصلاة فرادى ، بل الصلاة المنعقدة جماعة تبقى على حالها إلى آخر الصلاة ، سواء عدل عنها بالنية إلى الانفراد ، أم لم يعدل ، ومقتضى هذا الوجه أنّه لو عدل عنها بعد الركعة الاُولى تسقط القراءة عنه بالنسبة إلى الركعة الثانية ، وكذا يكون شكّه بلا حكم مع حفظ الإمام .
وبالجملة: يترتّب على صلاته جميع أحكام صلاة المأموم ، لأنّ المفروض عدم تأثير قصد الانفراد أصلا .
الثاني : إنّ قصد الانفراد وإن كان موجباً لصيرورة الصلاة فرادى ، إلاّ أنّ العدول عن الائتمام إلى الانفراد ، وجعل الصلاة المنعقدة جماعة على غير ما انعقدت عليه منهيّ عنه في الشريعة، أو يقال: إنّ الواجب إدامة الصلاة جماعة وإبقائها على

(1) الوسيلة: 106 .
(2) المعتبر : 2 / 448 ; شرائع الاسلام: 1 / 116 .
(3) تذكرة الفقهاء : 4 / 269 مسألة 557; مختلف الشيعة : 3 / 74; مسالك الأفهام 1: 320 .
(4) الحدائق: 11 / 240; مدارك الأحكام 4: 379، مستند الشيعة 8 : 163 .
(5) بل هو (رحمه الله) جوّزها بشرط العذر، مفاتيح الشرائع 1: 124 .
(6) نقله عنه في جواهر الكلام 14: 21.

(الصفحة16)

حالها الأوّل، وعدم العدول عمّا انعقدت عليه من الجماعة إلى الانفراد .
ومرجع هذا الوجه إلى أنّ العدول لا يوجب إلاّ مخالفة تكليف تحريمي أو وجوبي ، من غير أن تصير الصلاة فاسدة ، وإلى هذا الوجه ينظر ما استدلّ به الشيخ في الخلاف في عبارته المتقدمة ، من عدم الدليل على كون العدول منهياً عنه وأنّ الأصل الإباحة ، وما ذكره العلاّمة في بعض كتبه(1) : من أنّ الجماعة فضيلة للصلاة ، فبالعدول عنها لا يحصل إلاّ ترك الفضيلة في بعض أجزاء الصلاة ، ومراده إنّه كما أنّ الجماعة لا تكون واجبة عند الشروع في الصلاة ، كذلك لا يجب إبقائها وإدامتها إلى آخر الصلاة .
الثالث : إنّ قصد الانفراد يوجب صيرورة الصلاة فاسدة ، فالعدول عن الائتمام إلى الانفراد لا يؤثر في مجرّد مخالفة حكم تكليفي ، من الحرمة ، أو الوجوب ، بل يؤثر في فساد الصلاة وبطلانها ، وإلى هذا يرجع ما استدل به بعض القائلين بالمنع(2) ، من أنّه ليس في الشريعة صلاة مركّبة من الجماعة والفرادى ، فالعدول منها إلى الانفراد تشريع محض، فلا تقع صحيحة .
الرابع : إنّ سقوط القراءة بالنسبة إلى المأموم ، وكذا سائر ما يسقط عنه ، إنّما هو فيما إذا وقعت الصلاة بتمامها جماعة ، وأمّا لو وقع بعض أجزائها جماعة وبعضها فرادى ، فلا دليل على سقوط القراءة ، ولا سقوط غيرها .
ومرجع هذا الوجه إلى أنّ قصد الانفراد وإن كان موجباً لصيرورة الصلاة فرادى ، وأنّ الصلاة لا تبطل من هذه الجهة ، إلاّ أنّ وجه بطلانها هو كونها بدون القراءة مثلا ، وهذا الوجه يختصّ بما إذا أخلّ المأموم بشيء من وظائف المنفرد ،

(1) تذكرة الفقهاء 4 : 271 .
(2) مدارك الاحكام : 4 / 379 .

(الصفحة17)

وأمّا في غير هذه الصورة فلا يجري ، بل مقتضاه صحة الصلاة ، لأنّ المفروض أنّ بطلانها ليس لمجرّد العدول من الجماعة إلى الانفراد ، بل لإخلاله بوظيفة المنفرد ، والمفروض عدمه في غير تلك الصورة .
هذا ، ويرد على الوجه الأوّل ـ وإن كان هذا الوجه لا يستفاد من كلام المانعين  ـ إنّه لا معنى لكون قصد الانفراد مؤثّراً في صيرورة الصلاة فرادى ، ولا يقول به القائل بالجواز أيضاً ، حتى يورد عليه بأنّ الاستصحاب يقتضي عدم التأثير ، بل لأنّه لمّا كانت صيرورة الصلاة جماعة تحتاج إلى قصد الاقتداء ، وجعل الصلاة تبعاً لصلاة الإمام كما عرفت .
وهذا المعنى كما أنّه يتوقف على قصد الاقتداء في أوّل الشروع في الصلاة ، كذلك إبقائه وإدامته متوقف على استدامة القصد ، فبمجرّد رفع اليد عن قصد الاقتداء الراجع إلى قصد التبعية في مقام العبادة تبطل الجماعة ، وتصير الصلاة فرادى ، لا أنّ صيرورتها كذلك تحتاج إلى قصد الانفراد وتأثير من ناحيته ، ولذا ذكرنا أنّ المنفرد لا يحتاج إلى قصد الانفراد ، بل يكفي مجرّد عدم قصد الاقتداء وعدم جعل صلاته تبعاً لصلاة غيره .
هذا ، لو اُريد عدم التأثير ، وبقاء الصلاة جماعة ، كما هو الظاهر منه بل صريحه ، وأمّا لو أريد بأنّ قصد الانفراد لا يؤثر في صيرورة الصلاة فرادى ، كما أنّه لا يوجب بقاء الجماعه ، فهذا يرجع إلى أنّ قصد الانفراد يوجب بطلان الصلاة ، كما هو مقتضى الوجه الثالث والرابع .
ويرد على الوجه الثاني أنّ كون العدول عن الائتمام إلى الانفراد منهياً عنه ، أو الإبقاء والإدامة مأموراً به ، مبنيّ على أن لا تكون الصلاة التي وقع بعض أجزاؤها جماعة ، وبعضها فرادى مشروعة ، وإلاّ فلو فرض ثبوت مشروعيتها ، فلا مجال للنهي عن العدول أو الأمر بالإبقاء كما هو واضح .


(الصفحة18)

وبالجملة : فهذا الوجه يرجع إلى الوجه الثالث ، كما أنّ الوجه الرابع يرجع إلى ذلك الوجه أيضاً ، لأنّ القول بكون سقوط القراءة عن المأموم وغيره ـ ممّا يتعلّق به من حيث كونه مأموماً مبنياً على بقاء الائتمام إلى آخر الصلاة ـ متوقف على عدم مشروعية العدول في الأثناء ، وإلاّ فلو فرض ثبوت مشروعيته فلا يبقى مجال لهذا الوجه أصلا .
فالعمدة في المقام هو الوجه الثالث الراجع إلى عدم مشروعية الصلاة المركّبة من الجماعة والفرادى ، ولا يخفى إنّه إن كان المراد عدم وجود صلاة وقع بعض أجزاؤها جماعة وبعضها فرادى في الشرع أصلا ، فيرده وقوع ذلك في موارد كثيرة ، كاقتداء المتمّ بالمقصّر ، والصلاة الرباعية بالثلاثية ، والثلاثية بالثنائية ، وصلاة المأموم المسبوق بركعة أو أزيد .
وقد ورد النصّ في بعض موارده ، كالتسليم قبل الإمام ، فيما لو أطال التشهد ، وعرض للمأموم حاجة . وقد روي أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) صلّى بطائفة يوم ذات الرقاع ركعة ، ثمّ خرجت من صلاته وأتمت منفردة(1) .
وعن جابر قال : كان معاذ يصلّي مع رسول الله(صلى الله عليه وآله) العشاء ثمّ يرجع إلى قومه فيؤمّهم، فأخّر النبي(صلى الله عليه وآله) صلاة العشاء فصلّى معه ثمّ رجع إلى قومه فقرأ سورة البقرة فتأخر رجل فصلّى معه وحده، فقيل له : نافقت يا فلان فقال : ما نافقت ولكن لآتين رسول الله(صلى الله عليه وآله) فأخبره فأتى النبي(صلى الله عليه وآله) فذكر ذلك له فقال له : أفتّان أنت يا معاذ؟ مرّتين ولم ينكره النبي(صلى الله عليه وآله) »(2) .
وبالجملة: فلا إشكال في وقوع نظيره في الشريعة ، وإن كان المراد به إنّه إذا اقتدى بالإمام وجعل صلاته تابعة لصلاته ، فاللازم عدم رفع اليد عن الاقتداء ما

(1) صحيح البخاري 5: 63 ح4129 ; سنن النسائي 3: 168 ح1533; سنن أبي داود 2: 13 ح1238.
(2) صحيح مسلم 4: 152 ح178; سنن أبي داود 1: 210 ح790; سنن البيهقي 2: 392 ـ 393.

(الصفحة19)

دام يمكن بقاؤه ، لعدم فراغ الإمام عن صلاته ، وحينئذ فلا ينافي تلك الموارد التي وقع بعض أجزاء الصلاة جماعة ، وبعضها فرادى ، فيرجع النزاع إلى هذا المعنى .
والبطلان حينئذ يبتني على أن تكون الجماعة وصفاً لمجموع الصلاة دون الاجزاء ، كما أنّ القول بالجواز مبني على أن تكون الجماعة وصفاً لكلّ جزء من أجزاء الصلاة مستقلاً ، فاللازم في هذا المقام النظر في هذا المعنى ، وأنّ الجماعة التي توجب الفضيلة للصلاة ، هل هي وصف لمجموع الصلاة ـ بمعنى أنّ الصلاة التي وقعت بتمامها جماعة يزيد ثوابها على الصلاة منفرداً بخمس وعشرين درجة، كما ورد في النبوي الشريف(1)ـ أو أنّها وصف لكلّ جزء من أجزاء الصلاة؟ ، بمعنى أنّ وقوع القراءة مثلا جماعة لا يتوقف على وقوع غيرها كذلك ، فكلّ جزء وقع جماعة فهو يزيد على هذا الجزء ، لو وقع فرادى ، بخمس وعشرين درجة .
ولا يخفى أنّ النزاع في هذه المسألة ليس مبنياً على أنّ وصف الجماعة هل له مدخلية في حقيقة الصلاة؟ بمعنى أنّ صلاة الجماعة والفرادى نوعان من طبيعة الصلاة ـ كصلاة الظهر والعصر ـ أو أنّها وصف عارض لبعض الأفراد التي توجب أفضليّته ، كوقوعها في المسجد مثلا؟
وذلك لأنّ النزاع جار ولو بناءً على الوجه الثاني ، لما عرفت من أنّ مرجع البحث إلى أنّ الجماعة وصف لمجموع الصلاة أو لكلّ جزء منها ، وهذا لا يتوقف على الوجه الأوّل أصلا ، بل نقول: إنّه لا وجه للالتزام بأنّ صلاة الجماعة والفرادى نوعان من طبيعة الصلاة ، ولم يظهر من أحد الالتزام به ، بل الظاهر هو الوجه الثاني ، والنزاع إنّما وقع بناءً عليه .
وحينئذ فنقول : لو قلنا بأنّ المعروف لوصف الجماعة هو كل جزء من الأجزاء

(1) سنن ابن ماجه 1 : 258 ـ 259 ب16; سنن الترمذي 1: 255 ب47; صحيح البخاري 1: 179 ب30 ، ح645 ، و 646 و 647.

(الصفحة20)

على سبيل الاستقلال ، فاللازم جواز العدول من الانفراد إلى الجماعة أيضاً ، إذ المصلّي عند كل جزء يكون مخيّراً بين أن يأتي به جماعة أو فرادى ، ولا تتوقف صيرورة الجزء اللاحق متّصفاً بوصف الجماعة ، على أن يكون الجزء السابق أيضاً كذلك ، بل يمكن أن يقع الجزء السابق فرادى ، واللاحق جماعة .
كما أنّه بناءً على هذا القول يجوز الاقتداء في صلاة واحدة بأشخاص متعدّدة ، فيجوز الاقتداء في القراءة مثلا بزيد ، وفي الركوع بعمرو ، وفي السجود ببكر ، وهكذا ، وأيضاً فاللازم على هذا القول أن يكون اتّصاف كل جزء من أجزاء الصلاة بوصف الجماعة موقوفاً على قصد الائتمام بالنسبة إلى ذلك الجزء .
فعند الشروع في كلّ جزء يلزم أن يكون قصد الاقتداء فيه مقارناً للشروع في الإتيان به ، لو أراد صيرورته جماعة ، لما عرفت من أنّ تحقّق عنوان الاقتداء متوقف على القصد ا ليه ، وبدونه تصير الصلاة فرادى ، وإن لم يقصد ذلك ، لأنّه ليس إلاّ مجرّد عدم وقوع الصلاة جماعة .
وهذا بخلاف ما لو كانت الجماعة وصفاً لمجموع الصلاة ، فإنّه يكفي في صيرورتها كذلك القصد إلى عنوان الاقتداء حين الشروع فيها ، ولا يحتاج إلى ذلك القصد عند الشروع في كل جزء ، بل يكفي مجرّد كون القصد عند الشروع باقياً في ارتكازه، وهو الذي يعبّر عنه بالاستدامة الحكمية .
ثمّ إنّ التعبير بالعدول من الجماعة إلى الانفراد ـ كما وقع في أكثر العبارات ـ أو بنقل النية ـ كما وقع من الشيخ في عبارة الخلاف(1) ـ ربما يؤيد كون الجماعة وصفاً لمجموع الصلاة ، إذ بناءً على القول الأوّل لا يصدق العدول ولا النقل كما لايخفى .
وكيف كان ، فقد استدلّ على جواز العدول من الائتمام إلى الانفراد ، بما ورد في

(1) الخلاف 1: 552 مسألة 293 .

<<التالي الفهرس السابق>>