في:  
                       
 
 
 

من حياة سماحته قائمة المؤلفات الأحکام و الفتاوى الأسئلة العقائدية نداءات سماحته  الصور  لقاءات و زيارات
المکتبة الفقهية المختصة الصفحة الخاصة المواقع التابعة أخبار المكاتب وعناوينها الدروس المناسبات القرآن والمناجات

<<التالي الفهرس السابق>>



(الصفحة221)


المسألة التاسعة : لو قدّم السورة على الفاتحة


قال المحقّق في الشرائع ، بعد الحكم بوجوب سورة كاملة بعد الحمد : ولو قدّم السورة على الحمد أعادها ، أو غيرها بعد الحمد(1) .
وهذه العبارة تتضمّن صحة الصلاة في مفروض المسألة ، وكون الوظيفة إعادة نفس تلك السورة ، أو غيرها بعد الحمد ، والقدر المتيقّن منها صورة النسيان ، وأمّا شمولها لصورة العمد أيضاً فمحل تردّد .
وكيف كان فقد اختلف الفقهاء في بطلان الصلاة لو قدّمها عليه عامداً ، فعن الفاضل والشهيدين والمحقق الثاني وغيرهم القول بالبطلان(2) ، وعن الأردبيلي وبعض من تبعه القول بالصحة(3) .
ولا يخفى أنّ هذا الفرض في غاية الندرة بل لا يكاد يمكن أن يتحقّق، ضرورة أنّه لو كان المكلّف قاصداً لامتثال أمر المولى المتعلّق بالصلاة ، والمفروض أنّه يعلم بكيفيتها ، وأنّه يجب تأخير السورة عن الحمد، فكيف يأتي بها بقصد الجزئية عمداً قبل الحمد ، إلاّ أن يوجّه كما في المصباح(4) بأنّه يمكن تحقق هذا النحو من القصد من العامد العالم ، بعد بنائه على المسامحة في الاحكام الشرعيّة .
فقد ترى المكلّف المتسامح في عمله يقدم الصلاة على وقتها عند مزاحمتها لما يقصده بعد الوقت من سفر ونحوه ، أو ينوي التقرب بصلاته التي يعلم إجمالا

(1) شرائع الاسلام 1 : 72 .
(2) القواعد : 1 / 273; المنتهى 1 : 272; تذكرة الفقهاء 3: 142; جامع المقاصد 2 : 255; الذكرى 3 : 310; المسالك1 : 205; الحدائق : 8 / 124 ; جواهر الكلام 9: 338; كشف اللثام 4: 10 .
(3) مجمع الفائدة والبرهان 2 : 220; المدارك 3 : 351 .
(4) مصباح الفقيه كتاب الصلاة : 289 ـ 290 .

(الصفحة222)

باختلال بعض أجزائها ، أو شرائطها ، ونحو ذلك ، وكيف كان فلو فرض تحقّقه فهل يوجب البطلان أم لا؟
ربما يستدلّ للأوّل :
تارة: بأنّه إن أعاد السورة بعد الحمد فقد زاد في صلاته عمداً فيعمّه ما دلّ على أنّ «من زاد في صلاته فعليه الإعادة» وإلاّ فقد نقص في صلاته .
واُخرى: بأنّ تقديم السورة تشريع ، فيندرج في الكلام المحرّم الذي يكون مبطلا إجماعاً .
وثالثة: بأنّه لا خلاف في حرمة تقديم السورة على الفاتحة ، والنهي في العبادة يستدعي فسادها ، من غير فرق بين أن يكون النهي متعلّقاً بنفسها ، أو بجزئها ، لأنّ مآل الأخير أيضاً إلى النهي عن العبادة المشتملة على هذا الجزء .
ورابعة: بحصول القران الذي يكون محرّماً ومبطلا .
وخامسة: بأنّ إتيان بعض أجزاء الصلاة على النحو المحرّم الشرعي ، ماح لصورة الصلاة عند المتشرّعة ، فيكشف أنّ الهيئة المتخذة من الشرع أمر ينافي وجود بعض الأجزاء على النحو الحرام .
وسادسة: بأنّه يعتبر في صحة العبادة أن يقصد التقرب بما هو المأمور به ، وتقديم السورة عمداً ينافي ذلك ، لأنّ مرجعه إلى قصد التقرب بغير ما يكون مقرّباً ، لأنّ المركّب من المأمور به وغيره لا يتّصف بصفة المقرّبيّة أصلا .
هذا ، وربما يورد على الوجه الأول ، بأنّه لا دليل على ابطال ما يتّصف بصفة الزيادة بعد وجوده ، وإنما المسلّم إبطال ما يوجد زائداً من أوّل الأمر ، ولكن لا يخفى أنّ السورة المقدّمة على الحمد إذا قصد بها الجزئية تتصف بصفة الزيادة من حين وجودها ، ولا يتوقّف اتصافها بها على الإتيان بسورة اُخرى بعد الحمد ، ضرورة أنّه لو لم يأت بها أيضاً تكون السورة الأولى زائدة ، لعدم صلاحيتها ، لوقوعها

(الصفحة223)

جزءً ، فقصد الجزئية بها يوجب الزيادة بلا إشكال .
ولكن لا دليل على إبطال مطلق الزيادة وإنما المسلّم إبطال الركعة الزائدة ، لأنّه المتبادر من الروايات الدالة على إبطال الزيادة ، مضافاً إلى أنّه قد صرّح في بعضها بذلك، كما سيجيء في باب الخلل إن شاء الله تعالى .
وكيف كان فالوجه الأول: مخدوش من وجوه :
من جهة أنّ فرض ترك السورة بعد الحمد ، والحكم ببطلان الصلاة من جهته ، خارج عن مورد البحث ، لأنّ محلّه هو بطلانها من حيث زيادة السورة قبل الحمد ، لا من حيث تركها بعده .
ومن جهة أنّ اتصاف السورة المأتيّ بها قبل الحمد بالزيادة لا يتوقّف على الإتيان بها بعده ، كما هو ظاهر الدليل ، لما عرفت من أنّها زائدة على التقديرين ، لأنّه قصد بها الجزئية للصلاة مع عدم قابليتها لها .
ومن جهة ابتنائه على مبطليّة مطلق الزيادة ، وقد عرفت أنّه لا دليل عليها في غير الركعة الزائدة .
وأمّا الوجه الثاني : فيرد عليه منع كلّية الكبرى ، والاجماع المدعى عليها لا يكون واجداً لشرائط الحجية ، لأنّ معقده من المسائل الفرعية التي لا يكشف الاتفاق فيها عن وجود نصّ معتبر ، كما حقّق في محلّه ومرّت الإشارة إليه مراراً .
وأمّا الوجه الثالث : فيرد عليه أنّ نفي الخلاف لا ينافي عدم تعرّض الأكثر لأصل المسألة أصلا ، فلا يكون حجّة ، مضافاً إلى أنّ الظاهر كون مراد المتعرّضين من التعبير بمثل كلمة «لا يجوز» هو بيان الحكم الوضعي لا التكليفي .
وأمّا الوجه الرابع : فيرد عليه منع حرمة القران ، بل الظاهر كراهته كما عرفت سابقاً ، مضافاً إلى أنّ كون المقام من مصاديق القِران محلّ منع أيضاً ، لأنّ المتبادر

(الصفحة224)

منه هو القِران بين السورتين بعد الحمد كما لا يخفى .
وأمّا الوجه الخامس: فيرد عليه أنّ كون الكلام المحرّم ماحياً لصورة الصلاة عند المتشرّعة ، هل هو لمجرّد كونه محرّماً؟ ، فمن الواضح أنّ ايجاد المحرّم في الصلاة لا يوجب بطلانها ، كالنظر إلى الأجنبيّة مثلا ، وإن كان ذلك لكونه كلاماً ، بمعنى أنّ الكلام مطلقاً يوجب ذلك ، فبطلانه أظهر من أن يخفى ، وإن كان المراد أنّ الكلام الذي إذا لم يكن محرماً لا يوجب البطلان ، فهو إذا اتّصف بالحرمة يكون ماحياً لصورتها ، فيرد عليه المنع منه ، فيما إذا كان قرآناً أو دعاءً ، لعدم الدليل عليه .
وأمّا الوجه الأخير : فالظاهر تماميته فيما إذا كان قاصداً من أوّل الأمر زيادة سورة قبل الحمد ، لأنّه حينئذ لم يقصد التقرب إلاّ بما لا يكون مقرّباً شرعاً ، لعدم كونه مأموراً به ، وأمّا إذا كان من أوّل الأمر قاصداً للتقرّب بنفس الصلاة المأمور بها ، ثم بدا له بعد التكبير أن يأتي بسورة قبل الحمد أيضاً ، فلا وجه لبطلان صلاته ، لأنّ المفروض اشتمالها على نية التقرب بخصوصها لا بها مع أمر زائد ، ونية التقرب بالسورة الزائدة كنفسها ممّا لا يضرّ أصلا لعدم الدليل عليه .
والاستدامة المعتبرة في العبادة إلى الفراغ منها إنما هو بالنسبة إلى أجزاء العبادة ، ولذا لا يضرّ قطعها في السكوتات المتخلّلة بين الأفعال ، هذا كلّه فيما لو قدم السورة على الفاتحة عمداً .
وأمّا لو قدّمها عليه سهواً ، فقد استدلّ في المصباح على عدم بطلان الصلاة بسببه ـ مضافاً إلى الاجماع ـ بوجوه :
منها : فحوى ما يدلّ عليه في العمد ، وأنت خبير بأنّه لم يقم دليل على الصحة في صورة العمد حتّى يستدلّ بفحواه على صورة السهو ، غاية الأمر عدم تمامية الوجوه التي استند إليها على البطلان ، فصار مقتضى الأصل عدم مانعية السورة المقدمة .


(الصفحة225)

ومنها : عموم قوله(عليه السلام)  : «لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة . . .»(1) والتمسّك به مخدوش أيضاً ، من جهة احتمال اختصاص حديث لا تعاد بما إذا صار النسيان سبباً لترك شيء ممّا اعتبر وجوده في المأمور به جزءً أو شرطاً ، وأمّا إذا صار سبباً لإيجاد بعض الموانع التي اعتبر عدمها فيها ، فلا يعلم أن يشمل هذا الحديث له، والسرّ فيه أنّ الاستثناء في الحديث يكون مفرغاً ، لعدم ذكر المستثنى منه ، والأمور الخمسة المستثناة دائرة بين ما اعتبر وجوده بنحو الجزئية ، أو الشرطية ، فيحتمل قويّاً أن يكون المستثنى منه من سنخها ، بحيث لم يعمّ الأمور التي يكون وجودها مخلاًّ بالمأمور به كما لا يخفى .
ومنها : خصوص رواية عليّ بن جعفر ، المروية في محكيّ قرب الإسناد إنّه سأل أخاه عن رجل افتتح الصلاة فقرأ سورة قبل فاتحة الكتاب ثم ذكر بعدما فرغ من السورة؟ قال : «يمضي في صلاته ويقرأ فاتحة الكتاب فيما يستقبل»(2).
ودلالتها على الصحة وإن كانت ظاهرة ، إلاّ أنّها بظاهرها مخالفة للمشهور القائلين بوجوب إعادة السورة بعد قراءة الفاتحة ، لأنّ ظاهرها الاكتفاء بالسورة التي قرأها ، وعدم وجوب قراءة الفاتحة ، ولا إعادة السورة ، ومرجعه إلى فوات محلّ الفاتحة بسبب تقديم السورة ، لأنّ المراد بقوله : «يمضي في صلاته» ، هو المضيّ بنحو كأنّه قرأ الفاتحة قبلها .
فالمراد بقوله : «فيما يستقبل» هي الركعات التي بعد هذه الركعة ، فمضمون الرواية هو الاكتفاء بالسورة التي قرأها ، لفوات محلّ الفاتحة بسببها ، وإن لم يركع .
وأمّا ما في المصباح من كون المراد بقوله : «يمضي في صلاته» ، هو مجرّد

(1) الفقيه 1 : 181 ح857 ; التهذيب 2: 152 ح597; الوسائل 4 : 312 . أبواب القبلة ب9 ح1 .
(2) قرب الاسناد : 170 ح748; الوسائل 6 : 89  . أبواب القراءة في الصلاة ب28 ح4 .

(الصفحة226)

الصحة ، ووجوب القراءة فيما يستقبل راجع إلى وجوب الابتداء بها بعد المضيّ في الركعة التي قدّم فيها السورة(1) ، فهو خلاف ظاهر الرواية كما لايخفى على المتأمّل المنصف .
ولكن يعارض هذه الرواية في خصوص موردها مع بعض الروايات الاُخر ، مثل موثقة سماعة قال : سألته عن الرجل يقوم في الصلاة فينسى فاتحة الكتاب؟ قال : «فليقل: أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم إنّ الله هو السميع العليم، ثم ليقرأها مادام لم يركع فإنّه لا قراءة حتّى يبدأ بها في جهر أو إخفات»(2) .
فإنّ نسيان الفاتحة قبل الركوع لا يصدق إلاّ بعد الشروع فيما يكون بعدها من السورة ، مضافاً إلى أنّه نفي القراءة والبدء بالفاتحة إنما يكون فيما إذا قرأ شيئاً من غيرها ، وإلاّ فلا معنى له أصلا كما لا يخفى .
وحينئذ فمفاد الرواية وجوب قراءة الفاتحة بعد التذكّر ، وارتفاع النسيان في مورد تلك الرواية ، فتكون معارضة لها .
ونظيرها رواية أبي بصير قال : سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن رجل نسي أُمّ القرآن؟ قال : «إن كان لم يركع فليعد اُمّ القرآن»(3) ، فإنّ نسيانها إنما هو فيما إذا قرأ السورة أو شيئاً منها ، والتعبير بالإعادة مع أنّه لم يقرأ الفاتحة بملاحظة استئناف القراءة ، كأنّه لم يقرأ أصلا ، فالمراد منها هو الرجوع ورفع اليد عمّا قرأ ، ولا يخفى أنّ الترجيح بعد التعارض معهما باعتبار كون فتوى المشهور  ـ وهو وجوب قراءة الفاتحة وإعادة السورة ـ مطابقاً لهما ، فالرواية الأولى معرض عنها .

(1) مصباح الفقيه، كتاب الصلاة: 289.
(2) التهذيب 2 : 147 ح574; الوسائل 6 : 89 . أبواب القراءة في الصلاة ب28 ح2.
(3) الكافي 3: 347 ح2; الوسائل 6: 88 . أبواب القراءة في الصلاة ب28 ح1.

(الصفحة227)


المسألة العاشرة : هل يجوز القراءة من المصحف؟


قد وقع الخلاف بين فقهاء العامة والخاصة ، في جواز القراءة من المصحف لدى التمكّن من الحفظ عن ظهر القلب ، بعد الاتّفاق ظاهراً على الجواز عند الضرورة ، وعدم القدرة على الحفظ .
فعن ظاهر الشيخ(1) في أكثر كتبه وجماعة(2) المنع ، وظاهر جماعة كالمحقّق والعلاّمة القول بالجواز(3) ، ويدلّ عليه مضافاً إلى الأصل ، ما رواه الشيخ في

(1) لا يخفى أنّ منع الشيخ (قدس سره) بحسب ظاهر كلامه إنما هو فيما إذا قرأ الفاتحة أو السورة الواجبة بعدها في المصحف ، وأمّا مجرّد قراءة القرآن في الصلاة من المصحف فلا يظهر من كلامه المنع ، بل صرّح بالجواز ، فإنّه قال في كتاب الخلاف 1: 427 مسألة 157 : من لا يحسن القراءة ظاهراً جاز له أن يقرأ في المصحف ، وبه قال الشافعي ، وقال أبو حنيفة : ذلك يبطل الصلاة ، دليلنا اجماع الفرقة وأخبارهم وأيضاً قوله تعالى : {فاقرؤوا ما تيسّر من القرآن} ولم يفرق . انتهى
وقال في ص441 مسألة 189: إذا قرأ في صلاته من المصحف فجعل يقرأ ورقة فإذا فرغ صفح اُخرى وقرأ لم تبطل صلاته وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة : تبطل صلاته ، لأنّه تشبّه بأهل الكتاب، وهذا ممنوع منه ، دليلنا إجماع الفرقة، وأيضاً الأصل الاباحة ، والمنع يحتاج إلى دليل ، وأيضاً نواقض الصلاة يعلم شرعاً ، وليس في الشرع ما يدلّ على أنّ ذلك يبطل الصلاة . وروى الحسن بن زياد الصيقل قال : سألته إلى آخر الرواية . انتهى .
وأنت خبير بأنّ مورد كلامه الأول الذي حكم فيه بالجواز لخصوص من لا يحسن القراءة ظاهراً ، وظاهره المنع لغيره إنما هي القراءة المعتبرة في صحة الصلاة ، ومورد كلامه الثاني هي القراءة من المصحف زائدة على ما يعتبر في أصل الصلاة; ومنه يعلم أنّه(رحمه الله) حمل رواية الحسن بن زياد الصيقل على هذا المعنى ، ولذا لم يستدلّ به في كلامه الأول ، كما أنّه يعلم أنّ استدلال أبي حنيفة للبطلان بأنّه تشبّه بأهل الكتاب ، إنما هو في هذا المورد ، فيمكن أن يكون دليله على المنع في المورد الأول هو الدليل الثاني الذي نقلناه في المتن فلا تغفل (منه) .
(2) المبسوط 1: 109; الخلاف 1: 427 مسألة 175; النهاية : 80 ; الذكرى 3: 306; مدارك الأحكام 3: 342; مسالك الأفهام 1: 205; جامع المقاصد 2: 252; كشف اللثام 4: 22.
(3) المعتبر 2 : 174; المنتهى 5 : 70; تذكرة الفقهاء 3: 151 مسألة 235; الذخيرة: 272; مجمع الفائدة والبرهان 2 : 212; مستند الشيعة 5: 81 ; جواهر الكلام 9: 311.

(الصفحة228)

التهذيب بإسناده عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن العبّاس بن معروف، عن عليّ ابن مهزيار، عن فضالة بن أيّوب، عن أبان بن عثمان، عن الحسن بن زياد الصيقل قال : قلت لأبي عبدالله(عليه السلام)  : ما تقول في الرجل يصلّي وهو ينظر في المصحف يقرأ فيه يضع السراج قريباً منه؟ فقال : «لا بأس بذلك»(1) .
ودلالته على الجواز في مورد الكلام ، مبنية على أن يكون المراد بالقراءة في المصحف ، هي القراءة المعتبرة في صحة الصلاة ، بمعنى أنّه يقرأ فاتحة الكتاب ، أو السورة التي تجب قراءتها بعدها في المصحف ، وأمّا لو كان المراد هي قراءة القرآن عدا ما اعتبرت في صحة الصلاة ، بحيث كان مرجعه إلى السؤال عن جواز قراءة القرآن في الصلاة ناظراً في المصحف ، فهو أجنبيّ عن المقام ، ولكنّه لا دليل على تعيّن هذا الاحتمال ، مضافاً إلى أنّ السؤال وترك الاستفصال دليل على الشمول وعدم الاختصاص ، كما هو واضح .
وقد استدلّ للمنع بما رواه الحميري في قرب الإسناد عن عبدالله بن الحسن عن جدّه عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر(عليهما السلام) قال : سألته عن الرجل والمرأة يضع المصحف أمامه ينظر فيه ويقرأ ويصلّي؟ قال : «لا يعتدّ بتلك الصلاة»(2) . ولكنّه محمول على الكراهة جمعاً بينه وبين الخبر المتقدّم ، لأنّ هذا ظاهر في عدم الجواز ، وهو نص في الجواز ، فيرفع اليد عن الظهور بسبب النص .
مضافاً إلى أنّ كتاب قرب الإسناد لا يبلغ في الاعتبار ما بلغه مثل التهذيب الذي كان مرجعاً لأهل الفتوى في كلّ عصر وزمان ، وذلك يوجب شدّة الاهتمام به ، وتحصيل كلّ منهم نسخة صحيحة مطابقة لنسخة الأصل ، وإلى أنّه يحتمل قريباً أن يكون هذا الخبر صدر تقية، باعتبار كون الفتوى الشائع من العامة في ذلك

(1) التهذيب 2 : 294 ح1184; الوسائل 6 : 107 . أبواب القراءة في الصلاة ب41 ح1 .
(2) قرب الاسناد : 168 ح728; الوسائل 6 : 107 . أبواب القراءة في الصلاة ب41 ح2 .

(الصفحة229)

الزمان هو المنع .
ثم إنّه حكي عن أبي حنيفة القائل ببطلان الصلاة بسبب القراءة من المصحف أنّه استدلّ لمذهبه تارة بأنّه تشبّه بأهل الكتاب كما هو المحكيّ عنه في الخلاف(1) ، واُخرى بقول النبي(صلى الله عليه وآله) للأعرابي الذي صلّى مرتين أو مرّات فاسدة ، في مقام بيان الصلاة الصحيحة : «إقرأ ما تيسّر من القرآن»(2) ، ولم يأمره بالقراءة من المصحف ، فلو كان ذلك جائزاً لكان الواجب أن يأمره به .
وأنت خبير بفساد كلا الدليلين :
أمّا الأول: فواضح .
وأمّا الثاني: فلأنّ الأعرابي البدوي لا يتمكّن من القراءة من المصحف ، ولا من غيره غالباً ، مضافاً إلى وضوح قلّة المصاحف في ذلك الزمان .
وبالجملة: فلم يقم على المنع دليل ، فلا يبعد القول بالجواز ، وإن كان الأحوط الترك .
ثم إنّه على المنع اختلف في تقدّمه على الائتمام ، أو اتباع القارئ ، أو تأخّره عنهما ، أو التساوي ، فالمحكيّ عن البيان والمسالك أنّ المصحف مقدّم على الائتمام(3) ، وقال الشهيد في محكيّ الذكرى : وفي ترجيحه ـ يعني اتباع القارئ ـ على المصحف احتمال ، لاستظهاره في الحال، ولو كان يستظهر في المصحف استويا(4) .
والمحكيّ عن كشف اللّثام ، وجامع المقاصد التخيير بين الأمور الثلاثة ، وعدم الترتيب بينها(5) ، والتحقيق أنّه لا وجه لتقدّمه على الائتمام ، لأنّ الائتمام إنما يكون

(1) الخلاف1 : 441 مسألة 189 .
(2) سنن ابن ماجة 1: 336 ح1060.
(3) مسالك الأفهام 1: 205; البيان : 83 .
(4) الذكرى 3 : 307 .
(5) كشف اللثام 4 : 22; جامع المقاصد 2: 252.

(الصفحة230)

المكلّف مخيّراً بينه وبين القراءة ظاهراً ، بل هو أفضل الفردين فكيف تكون القراءة من المصحف التي تكون في طول القراءة ظاهراً ، بناءً على هذا القول ، مقدّمة على الائتمام الذي هو أفضل من القراءة عن ظهر القلب؟! فالحقّ ما ذكره في كشف اللثام ، من أنّه لا وجه لهذا التقديم(1) ، والذي يسهل الخطب ما عرفت من أنّ هذا الاختلاف إنما هو على القول بالمنع ، وقد نفينا البعد عن القول بالجواز .

(1) كشف اللثام 4 : 22 .

(الصفحة231)







الخامس من أفعال الصلاة : الركوع



اعتبار الركوع وجزئيته للصلاة ممّا لا شبهة فيه ، بل من الضروريات(1) ، كوجوب أصل الصلاة ، وهو من أعظم أجزائها ، ولذا سمّي كلّ ركعة من الصلاة المشتملة على جملة من أفعالها ركعة ، فإنّ الركعة بحسب اللغة عبارة عن الركوع مرّة ، ومن هنا احتملنا سابقاً أن يكون الركن من القيام هو القيام للركوع فراجع .
وقد أطلق الركوع في الكتاب العزيز على مجموع الصلاة في قوله تعالى :{واركعوا مع الراكعين(2)} حيث إنّ المفسّرين اتّفقوا على أنّ المراد ، الصلاة مع المصلّين(3) ، وكيف كان فالظاهر أنّ الركوع قد استعمل في لسان الشرع على طبق معناه اللغوي ، وهو مطلق الانحناء ، ولم يكن للشارع في ذلك وضع مخصوص .

(1) الغنية: 79; المعتبر 2: 191; تذكرة الفقهاء 3: 165; الذكرى 3: 363; جامع المقاصد 2: 283; جواهر الكلام 10: 69; مستند الشيعة 5 : 192; مفتاح الكرامة 2 : 414 ; مفاتيح الشرائع 1: 138; البحار 82 : 100 .
(2) البقرة: 43 .
(3) مجمع البيان 1: 190; تفسير الصافي 1: 125; الجامع لأحكام القرآن 1: 348; الدر المنثور 1: 155; تفسير الطبري  1:  366 .

(الصفحة232)

ودعوى القطع به غير بعيدة ، ولا فرق في الانحناء الذي هو وضع خاصّ وكيفية مخصوصة ، كالقيام والقعود ، بين أن يكون مسبوقاً بالعدم ، بأن انتقل من القيام أو القعود إليه ، أو لا يكون كذلك ، كما إذا كان الشخص منحنياً بحسب الخلقة الأصلية ، فإنّه يصدق عليه أنّه راكع كما هو ظاهر .

مقدار الانحناء المعتبر في الركوع
إنّ الانحناء له مراتب ، فإنّه قد يكون يسيراً ، وقد يبلغ إلى مرتبة يمكن إيصال الكفّين إلى الركبتين ، وقد يكون أكثر من ذلك ، وقد اختلفت عبارات الأصحاب بحسب الظاهر في تحديد الانحناء المعتبر في الركوع الذي هو جزء للصلاة .
فعن المنتهى والذكرى إنّه يجب فيه الانحناء بقدر يتمكّن معه من بلوغ يديه على ركبتيه(1) ، وفي الثاني التعبير بعين الركبة ، وعن التذكرة وضع راحتيه على ركبتيه ، مدّعياً عليه إجماع أهل العلم كافّة ، ما عدا أبي حنيفة(2) ، وفي المعتبر إجماع أهل العلم كافّة على وصول كفّيه إليهما غير أبي حنيفة(3) .
وظاهر عبارتي المنتهى والذكرى هو الاكتفاء بوصول جزء من اليد إلى الركبة ، ولو كان رؤوس الأصابع، وقد نسب العلاّمة المجلسي الاكتفاء بهذا المقدار إلى المشهور ، وحمل عبارتي التذكرة والمعتبر على المسامحة في التعبير ، وتبعه صاحب الحدائق في ذلك (4)، ولكنّ المحكيّ عن الفاضل الخراساني في الذخيرة أنّه مال إلى أنّ التجوّز والمسامحة وقع في عبارتي المنتهى والذكرى(5) .

(1) المنتهى 1 : 285; الذكرى 3 : 365 .
(2) تذكرة الفقهاء 3 : 165 .
(3) المعتبر 2 : 193 .
(4) بحار الأنوار 82 : 119 ـ 120، الحدائق 8 : 236 .
(5) الذخيرة : 281.

(الصفحة233)

والمسألة تكون حينئذ ذات قولين:
أحدهما : كفاية الانحناء بقدر ما يتمكّن معه من إيصال رؤوس الأصابع إلى الركبة .
ثانيهما : لزوم الانحناء إلى مقدار تصل الراحتان أو الكفّان إلى الركبة ، فلابدّ من ملاحظة أخبار المسألة ، فنقول :
منها : صحيحة زرارة المشتملة على قوله(عليه السلام)  : «بلّغ أطراف أصابعك عين الركبة، وفرّج أصابعك إذا وضعتها على ركبتك، فإن وصلت أطراف أصابعك في ركوعك إلى ركبتيك أجزأك ذلك، وأحب إليّ إن تمكن كفيك من ركبتيك، فتجعل أصابعك في عين الركبة . . .»(1) .
ومنها : ما نقله المحقّق في محكيّ المعتبر عن معاوية بن عمّار وابن مسلم والحلبي قالوا : «وبلّغ بأطراف أصابعك عين الركبة، فإن وصلت أطراف أصابعك في ركوعك إلى ركبتيك أجزأك ذلك وأحبّ إن تمكّن كفّيك من ركبتيك . . .»(2) .
قال صاحب الحدائق بعد حكاية الرواية عن المعتبر : والظاهر أنّ هذه الرواية قد نقلها المحقّق من الأصول التي عنده ، ولم تصل إلينا إلاّ منه(قدس سره) وكفى به ناقلا(3) . وكيف كان، فهل المراد بأطراف الأصابع هو رؤوسها أو الأطراف التي تلي الكفّ؟ وجهان ، والمحكيّ عن جامع المقاصد إنّه حملها على الوجه الثاني ، ونفى الاختلاف بين العبارات بذلك(4) ، ولكنّه بعيد جدّاً ، لوضوح أنّ المراد بأطراف الأصابع هو منتهى الأصابع ورؤوسها، كما يظهر بمراجعة الاستعمالات .

(1) الكافي 3 : 334 ح1; التهذيب 2: 83 ح308; الوسائل 5 : 461 . أبواب أفعال الصلاة ب1 ح3.
(2) المعتبر 2: 193; الوسائل 6: 335. أبواب الركوع ب28 ح2.
(3) الحدائق 8 : 237 .
(4) جامع المقاصد 2 : 283 .

(الصفحة234)

نعم يقع الكلام حينئذ في أنّ المراد بالأصابع ، هل هو جميعها الذي منها الابهام ، أو أنّ المراد بها أكثرها، أو فرضت كالشيء الواحد ، فيصدق بلوغها ببلوغ واحد منها كما هو الشأن في المركبات؟
لا سبيل إلى الأخيرين لمخالفتهما لظاهر الرواية ، ضرورة أنّ ظاهرها هو بلوغ الجميع ، وحينئذ يقع الإشكال في أنّ بلوغ رأس الابهام لايجتمع مع بلوغ رؤوس سائر الأصابع ، لعدم كونهما في عرض واحد ، ضرورة أنّ بلوغ رأس الابهام لا يتحقّق إلاّ مع بلوغ ما يقرب من الراحة من سائر الأصابع وحينئذ فيصير التعبير ببلوغ الجميع لغواً .
والتحقيق أن يقال : إنّ المذكور في الروايتين المتقدّمتين هو عين الركبة لا نفسها ، والمراد بها هي النقرة التي في مقدّمها عند الساق ، كما في لسان العرب(1) أو النقرتان في أسفل الركبة ، كما في أقرب الموارد(2) ، وقال في الأول إنّ لكلّ ركبة عينين ، وهما نقرتان في مقدّمها عند الساق .
وحكي عن علماء التشريح أنّ في المفصل بين الساق والركبة عظماً يشبه الدائرة ، متّصلا بعين الركبة ، وهي الحفرة في مقدمها ، وحينئذ فإذا بلغت أطراف الأصابع إلى عين الركبة يقع الكفّ والراحة على نفس الركبة ، فيصير مدلول الرواية ما يدلّ عليه عبارتا المعتبر والتذكرة ، لكن في دلالة الرواية على وجوب هذا المقدار إشكال ، فإنّ فيها احتمالين :
أحدهما : أن يكون المراد بقوله(عليه السلام)  : «فان وصلت أطراف أصابعك في ركوعك إلى ركبتيك أجزأك ذلك» هو وصولها إلى عين الركبة المذكورة في الجملة التي هي قبل هذه الجملة ، لا الوصول إلى نفسها الصادق بالوصول إلى أعلاها ،

(1) لسان العرب 9 : 507 .
(2) أقرب الموارد 2 : 856 .

(الصفحة235)

وحينئذ فيكون المراد من قوله(عليه السلام)  : «وأحبّ إليّ إن تمكّن كفّيك من ركبتيك» هو مجرّد استحباب وضع الكفّين بالفعل على الركبتين ، فتكون الرواية متضمّنة لحكمين :
حكم وجوبيّ; وهو وجوب الانحناء بقدر ما يمكن وصول أطراف الأصابع إلى عين الركبة .
وحكم استحبابيّ; وهو استحباب الوضع خارجاً ، وجعل الركبة مكاناً للكفّ .
ثانيهما : أن يكون المراد بقوله(عليه السلام) «فإن وصلت أطراف أصابعك . . .» ، هو وصول أطراف الأصابع إلى نفس الركبة ، وهو يصدق بالوصول إلى أعلاها ، من غير جهة الساق ، ويكون المراد بالجملة التي بعدها هو الوصول إلى قدر يتمكن معه من وضع الكفّين .
ففي الحقيقة تكون الجملتان الأخيرتان مفسّرتين للجملة الأولى المشتملة على وجوب إيصال أطراف الأصابع إلى عين الركبة ، بأنّ هذا المقدار لا يكون واجباً بتمامه ، بل القدر المجزي هو ما يدلّ عليه الجملة الثانية ، والمقدار المستحبّ هو ما يدلّ عليه الجملة الأخيرة ، فتكون الرواية بناءً على هذا الاحتمال متعرّضة لما يجب من الانحناء ، وما يستحبّ منه ، ولا دلالة لهاحينئذ على استحباب الوضع الحقيقي والتمكين أصلا .
هذا، والظاهر هو الاحتمال الأول ، ويؤيده تفريع الجملة الثانية على الجملة الأولى الظاهر في كون مفادها مستفاداً منها ، وظهور الجملة الأخيرة في الوضع والتمكين ، كما يدلّ عليه قوله(عليه السلام) في ذيل رواية زرارة المتقدمة : «فتجعل أصابعك في عين الركبة» كما لا يخفى .
وبالجملة: فالالتزام بكفاية بلوغ رؤوس الأصابع إلى الركبة الصادق ببلوغها

(الصفحة236)

إلى أعلاها ممّا لا سبيل إليه ، ودعوى الشهرة(1) على ذلك ممّا لا تسمع ، لعدم كون المسألة معنونة في كتب قدماء الأصحاب رضوان الله عليهم .
نعم ذكر الشيخ في الخلاف في مسألة اعتبار الطمأنينة في الركوع أنّه قال أبو حنيفة: أنّها يعني الطمأنينة ، غير واجبة ، ولا يجب عنده أن ينحني بقدر ما يضع يديه على ركبتيه ، وقال في المبسوط(2) : وأقلّ ما يجزي من الركوع أن ينحني إلى موضع يمكنه وضع يديه على ركبتيه مع الاختيار ، وما زاد عليه فمندوب إليه(3) .
وتبعه ابن إدريس في السرائر ، حيث إنّه ذكر هذه العبارة بعينها(4)، ويظهر من المعتبر أنّه لا يكون بين العبارات المختلفة بحسب الظاهر فرق من حيث المقصود ، لأنّه ادعى الاجماع على لزوم الانحناء إلى قدر تصل معه كفّاه إلى ركبتيه ، ولم ينسب الخلاف إلاّ إلى أبي حنيفة ثم استدلّ عليه بعمل النبي(صلى الله عليه وآله) وبما رواه أنس قال : قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : «إذا ركعت فضع كفّيك على ركبتيك» ، وبرواية الثلاثة المتقدمة وبرواية زرارة المتقدمة أيضاً(5) .
وبالجملة: فالظاهر بملاحظة ما تقدّم هو عدم الاكتفاء بمجرّد وصول رؤوس الأصابع إلى الركبة ، لأنّ الظاهر أنّ أبا حنيفة أيضاً لا يقول بكفاية أقلّ من هذا المقدار ، فعدّه مخالفاً دليل على أنّ الإمامية، وكذا ما عدا أبي حنيفة من فقهاء العامة ، يقولون بلزوم أزيد من هذا المقدار كما هو ظاهر .
ثم إنّ الأصحاب قد اتفقوا على ما اشتملت عليه رواية زرارة ، من أنّ المرأة إذا

(1) كما عن المجلسي في البحار 82 : 119 ـ 120 .
(2) الخلاف1 : 348 مسألة 98 .
(3) المبسوط 1 : 111 .
(4) السرائر 1 : 240.
(5) المعتبر 2 : 193 .

(الصفحة237)

ركعت وضعت يديها فوق ركبتيها على فخذيها لئلاّ تطأطأ كثيراً ، فترتفع عجيزتها(1) ، ومقتضاه كون ركوع المرأة أقلّ انحناء من ركوع الرجل ، لأنّ الظاهر أنّها في هذا الفرض لا تنحني إلاّ بمقدار يمكنها وضع اليد على الفخذ ، غاية الأمر استحباب الوضع عليه .
ولكنّه ذكر في الجواهر أنّه لا منافاة بين استحباب وضع اليدين فوق الركبتين ، وكون الانحناء بمقدار الرجال ، فيكون إطلاق الأصحاب بحاله ، مضافاً إلى أنّ ذلك لا يتمّ بناءً على الوضع الشرعي للركوع ، إذ لا منافاة في وضعه للانحنائين الخاصّين بالنسبة إلى المكلّفين ، بل وإن لم نقل بالوضع الشرعي وقلنا بالمراد الشرعي ، إذ لا مانع من تكليف الرجال بهذا الفرد من الركوع ، والنساء بالفرد الآخر بعد أن كان في اللغة لمطلق الانحناء(2) ، انتهى .
ولكنّه لا يخفى أنّ مجرّد وضع اليد على الفخذ مع الانحناء بمقدار الرجال ، لا يوجب عدم ارتفاع العجيزة التي وقع علّة للحكم المذكور في الرواية ، لأنّ الذي يوجب ذلك هو كون الانحناء قليلا كما هو واضح .
وأمّا الوضع الشرعي للركوع ، فقد عرفت سابقاً أنّه لا يكون للشارع في ذلك وضع خاصّ ، بل هو قد استعمله أيضاً في معناه اللغوي ، وهو مطلق الانحناء .
غاية الأمر أنّ له مراتب من حيث القلّة والكثرة وحينئذ فنقول : إنّ ضمّ هذه الرواية إلى الروايات المتقدمة يعطي التفصيل بين الرجل والمرأة ، بمعنى أنّ الرجل مأمور بمقدار من الانحناء ، والمرأة بأقلّ منه ، فما عن جامع المقاصد(3) من التصريح

(1) المقنعة: 111; مفاتيح الشرائع 1: 141; المهذّب 1: 93; الوسيلة : 95; السرائر 1: 225; مستند الشيعة 5 : 195.
(2) جواهر الكلام 10: 73 ـ 74 .
(3) جامع المقاصد 2: 284 .

(الصفحة238)

بعدم الفرق بين الرجل والمرأة ممّا لا وجه له ظاهراً .

هل يجب الانحناء الحدوثي في الركوع؟
إنّ الركوع هل هو عبارة عن الانحناء بمعناه الحدوثي الذي مرجعه إلى أنّه من حين التلبّس بالانحناء يكون أخذاً في الركوع ، غاية الأمر إنّ صدق عنوانه عليه مراعى شرعاً ببلوغه إلى ذلك الحدّ الخاص ، فهو أمر تدريجي الوجود يتحقّق أولا بمرتبته الضعيفة إلى أن ينتهي إلى ذلك الحد ، أو أنّه عبارة عن المرتبة الخاصة من الانحناء ، وهي المرتبة البالغة ذلك الحدّ الشرعي والهويّ إليه يكون مقدّمة لتحققه كهويّ السجود؟ وجهان ، بل قولان :
حكي الأول عن التذكرة ، والذكرى ، والدروس ، والبيان ، والموجز الحاوي ، وكشف الالتباس،والجعفرية،وعن الشيخ الأنصاري(قدس سره)(1)،وقوّاه صاحب المصباح(2) .
وذهب صاحب الجواهر إلى الثاني ، وهو المحكيّ عن منظومة العلاّمة الطباطبائي حيث قال :
إذ الهوي فيهما مقدمة خارجة لغيرها ملتزمة(3)
والثمرة بين القولين تظهر فيما لو هوى غافلا لا بقصد الركوع ، أو بقصد غيره من قتل حيّة أو عقرب مثلا ، ثم بدا له الركوع ، فعلى الأول لا يجوز بل يجب أن ينتصب ثم يركع وعلى الثاني يجوز .
وقد استدلّ في المصباح على مذهبه بالفرق بين هويّ الركوع وهويّ السجود ،

(1) تذكرة الفقهاء 3: 165 مسألة 247; الذكرى 3: 365; الدروس الشرعيّة 1: 176; البيان: 85 ; الموجز الحاوي (الرسائل العشر): 79; وحكاه عن كشف الإلتباس والجعفريّة في جواهر الكلام 10: 78; كتاب الصلاة للشيخ الأنصاري : 157 .
(2) مصباح الفقيه، كتاب الصلاة: 325 ـ 327 .
(3) جواهر الكلام 10: 76 ـ 77; الدرّة النجفيّة: 126 .

(الصفحة239)

فإنّ حقيقة السجود هو وضع الجبهة على الأرض ، والهوي خارج عنها ، بخلاف الركوع الذي قد فسّر بالانحناء الظاهر في إرادته بمعناه الحدثي ، وهو يقتضي أن يكون من حين التلبّس بفعل الانحناء أخذاً في الركوع ، إلى أن يتحقق الفراغ عنه ، وحكي عن الشيخ(قدس سره) إنّه اعترض على العلاّمة الطباطبائي بأنّ الظاهر من الركوع هو الانحناء الخاصّ الحدوثي الذي لا يخاطب به إلاّ من لم يكن كذلك ، فلا يقال للمنحني : إنحن .
نعم، لو كان المراد من الركوع مجرّد الكون على تلك الهيئة ، بالمعنى الأعمّ من الحادث والباقي صح ، لكن الظاهر خلافه ، فالهويّ وإن كان مقدّمة ، إلاّ أنّ إيجاد مجموعه لا بنية الركوع يوجب عدم تحقق الركوع المأمور به لأجل الصلاة ، انتهى .
ولكن يستفاد من بعض الروايات أنّ الهوي يكون خارجاً عن الركوع ، ومقدمة لتحققه ، وهو ما ورد في نسيان القنوت . فقد روى الشيخ بإسناده عن عمّار عن أبي عبدالله(عليه السلام) عن الرجل ينسى القنوت في الوتر أو غير الوتر، فقال : «ليس عليه شيء» وقال : «إن ذكره وقد أهوى إلى الركوع قبل أن يضع يديه على الركبتين فليرجع قائماً وليقنت ثم ليركع، وإن وضع يده على الركبتين فليمض في صلاته وليس عليه شيء»(1) ، فإنّ الحكم بالرجوع قبل أن يصل إلى حدّ يمكنه أن يضع يديه على الركبتين يناسب أن يكون الهوي خارجاً من الركوع ، لأنّ ذلك يدلّ على بقاء محلّ القنوت قبل الوصول إلى ذلك المقدار .
فلو كان الهويّ داخلا في الركوع ، وكان الركوع عبارة عن الانحناء بمعناه الحدوثي ، لم يكن محلّ القنوت باقياً ، فلم يكن وجه للرجوع ، هذا مع أنّ التعبير بقوله : «وقد أهوى إلى الركوع» ، يشعر بكون الهوي مغايراً للركوع ، وقد وقع نظير هذا التعبير في عبارات الأصحاب كثيراً .

(1) التهذيب 2 : 131 ح507; الوسائل 6 : 286 . أبواب القنوت ب15 ح2 .

(الصفحة240)

هذا ، ولكن يمكن أن يقال: بأنّ أفعال الصلاة وأجزائها حيث تكون مشتركة صورة بين كونها جزءً لها وبين غيره ، فصيرورة شيء منها فعلا للصلاة ووقوعه جزءً منها ، لا يتحقّق إلاّ بالقصد ، كما عرفت ذلك في مبحث النية(1)، وحينئذ فصيرورة الهوي هويّاً للركوع لا يتحقّق إلاّ إذا عزم الانحناء لأجل الركوع ، لا الانحناء لقتل العقرب ونحوه .
ثم لو فرض عدم الدليل على المنع في المقام فإجراء أصالة البراءة عنه كما في الجواهر(2) ممّا لايجوز، بعدكون كيفية الصلاة ثابتة بعمل النبي(صلى الله عليه وآله) ، ولم يعهدمنه(صلى الله عليه وآله) أنّه هوى إلى قتل العقرب ونظائره ، ثم قصد الركوع من غير انتصاب كما هو واضح .

فروعٌ في أحكام الركوع :
الأول : لا إشكال في أنّ التحديد المتقدّم المذكور في النصّ والفتوى إنما هو بالنسبة إلى مستوي الخلقة ، فلو كانت يداه طويلتين بحيث تبلغان إلى عيني الركبة من غير انحناء أو مع انحناء يسير ، أو كانت يداه قصيرتين بحيث لا تبلغان إلى الركبتين إلاّ بغاية الانحناء ، يجب عليه الانحناء بمقدار ينحني مستوي الخلقة ، بمعنى أن يفرض نفسه بحيث كانت أعضاؤه متناسبة ، وينحني بمقدار انحنائه على ذلك الفرض .
الثاني : إذا لم يتمكن المصلّي من الانحناء بالمقدار المعتبر في الركوع شرعاً ، يجب عليه الانحناء بمقدار يتمكّن. بلا خلاف(3) ، بل حكي عن المعتبر دعوى

(1) راجع 2 : 11.
(2) جواهر الكلام 10 : 77 .
(3) تذكرة الفقهاء 3: 166; المنتهى 1: 281 ـ 282; الذكرى 3: 366; مدارك الأحكام 3: 386; مسالك الأفهام 1: 213; جامع المقاصد 2: 288 .

<<التالي الفهرس السابق>>