في:  
                       
 
 
 

من حياة سماحته قائمة المؤلفات الأحکام و الفتاوى الأسئلة العقائدية نداءات سماحته  الصور  لقاءات و زيارات
المکتبة الفقهية المختصة الصفحة الخاصة المواقع التابعة أخبار المكاتب وعناوينها الدروس المناسبات القرآن والمناجات

<<التالي الفهرس السابق>>



الصفحة 21

وبين علّية التفضّل كما في الرواية السابقة ; ضرورة اقتضاء هذه العلّة بوضوح وظهور لكون الحكم بالصحّة على وفق القاعدة ، بخلاف العلّة السابقة الظاهرة في العدم ، أو عدم ثبوت الظهور لها أصلاً كما قلنا ، إلاّ أن يقال : إنّ اختلاف الروايتين في مفاد العلّة لا يقدح فيما نحن بصدده، وإن كان لعلّه له قدح بالإضافة إلى بعض المسائل الآتية ، فانتظر .

وكيف كان ، لا مجال للمناقشة في الحكم بالصحّة في صورة الجهل ، وكذا في صورة النسيان بعنوان رمضان والإجزاء عنه ، إنّما الكلام في صورة العلم التي عرفت أ نّ ظاهر المتن أ نّه إذا كان مع نيّة غير رمضان فلا يقع لواحد منهما ، فهنا حكمان :

أحدهما : عدم الوقوع عمّا نوى من غير رمضان مع العلم بأ نّ اليوم من رمضان .

ثانيهما : عدم الوقوع عن رمضان مع عدم نيّته ، فهنا أمران لا ارتباط لأحدهما بالآخر .

وقد استدلّ بعض الأعلام (قدس سره) على ما في تقريراته في شرح العروة على الأمر الثاني بأ نّه لا ينبغي الشك في عدم الصحّة لعدم إتيانه بالمأمور به ; فإنّه كان متقيّداً بعدم قصد عنوان آخر ، والمفروض قصده ، فما هو المأمور به لم يأت به ، وما أتى به لم  يكن مأموراً به من رمضان ، والإجزاء يحتاج إلى دليل، ولا دليل(1) ، وقد ذكر قبل ذلك أ نّه لم يظهر من شيء من الأدلّة لا الكتاب ، ولا السنة أخذ عنوان شهر رمضان في صحّة صومه حتى يلزم قصده ، بل اللازم تعلّق القصد بنفس الصوم مع



(1) المستند في شرح العروة 21 : 19 .


الصفحة 22

العلم بأ نّ غداً من رمضان، كما هو ظاهر قوله تعالى: { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}(1)أي من علم بالشهر يصوم ذلك الشهر بحيث يكون الشهر ظرفاً للصوم ، لا قيداً مأخوذاً في العنوان ليلزم تعلّق القصد به . نعم ، يعتبر أن لا يقصد عنواناً آخر من العناوين المضادّة لرمضان(2) .

أقول : قد عرفت أ نّ عنوان رمضان وخصوصيّته ليس كسائر العناوين الطارئة ; فإنّ شهر رمضان زمان مخصوص لا عنوان ، فالوجه في عدم وقوعه عن رمضان ـ مضافاً إلى التسالم بحيث يعدّ من ضروريّات الفقه وإن لم يكن من ضروريّ الإسلام الموجب إنكاره للكفر والارتداد ـ عدم كون الدّاعي له هو قصد امتثال الأمر المتعلّق بالصوم في خصوص هذا الزمان ، بل الداعي له أمر آخر وجوبي أو استحبابي ، كالإتيان بالصلاة بداعي الأمر المتعلّق بالصوم وهكذا .

وقد استدلّ على الأمر الأوّل بوضوحه بناءً على ما ذكره الشيخ البهائي(3) من أ نّه لا أقلّ من عدم الأمر، فتكون العبادة فاسدة لأجله ، وأمّا على مقتضى مسلكه من جواز الأمر بالضدّين(4) على سبيل الترتّب، فمقتضى القاعدة هو الحكم بالصحّة في المقام .

ونحن وإن اخترنا الجواز في الاُصول لا بنحو الترتّب بل فوقه، كما قد قررّناه في محلّه ، إلاّ أ نّ الظاهر أنّ هذا الحكم أيضاً ضروري لا حاجة فيه إلى إقامة الدليل وإن كان هنا بعض الروايات غير نقيّة السند ، لكنّ الظاهر تماميّة دلالتها وإن وقعت



(1) سورة البقرة 2 : 185 .
(2) المستند في شرح العروة 21: 18.
(3) اُنظر الحبل المتين 1 : 80 .
(4) أجود التقريرات 2 : 79 ـ 89 .


الصفحة 23

المناقشة فيها ، مثل :

رواية الحسن بن بسّام الجمّال ، عن رجل قال : كنت مع أبي عبدالله (عليه السلام) فيما بين مكة والمدينة في شعبان وهو صائم ، ثمّ رأينا هلال شهر رمضان فأفطر ، فقلت له : جعلت فداك أمس كان من شعبان وأنت صائم واليوم من شهر رمضان وأنت مفطر؟! فقال : إنّ ذلك تطوّع ولنا أن نفعل ما شئنا ، وهذا فرض فليس لنا أن نفعل إلاّ ما اُمرنا(1) .

والظاهر أنّ جواب الإمام (عليه السلام) ظاهر في أ نّه مع ثبوت الفرض والوجوب لا يجوز أن نفعل إلاّ ما أوجب علينا ، فهذه بمنزلة الضابطة الكلّيّة وإن كان مورد الرواية خصوص السفر، كما لا يخفى ، لكن في الرواية ضعف وإرسال وإن كان لا حاجة إليها ; لما عرفت من كون الحكم ضروريّاً في الفقه .

بقي الكلام في أصل المسألة في اُمور :

أحدها : مثل صوم القضاء والكفّارة ، ولا إشكال في لزوم قصد التعيين في ذلك ; لما عرفت من أ نّ المعتبر فيه خصوصيّة المغايرة لخصوصيّة الزمان ، ولا يكون كعنوان رمضان الذي هي قطعة من الزمان وشهر من الشهور .

ثانيها : النذر ، وهو على قسمين : نذر مطلق، ونذر معيّن ، فالأوّل: كما إذا نذر صوم يوم من دون تعيين ، والثاني: كما إذا نذر صوم يوم معيّن كنصف شعبان مثلاً ، وقد حكم في المتن فيه بلزوم اعتبار قصد التعيين، كما في الصورة الاُولى ، ولابدّ من التنبيه على أمر لعلّه ذكرناه فيما سبق ، وهو: أ نّ المستحبّ المنذور كعنوان صلاة



(1) الكافي 4 : 131 ح 5 ، تهذيب الأحكام 4 : 236 ح 693 ، الاستبصار 2 : 103 ح 335 ، وعنها وسائل الشيعة  10 : 203 ، كتاب الصوم، أبواب من يصحّ منه الصوم ب 12 ح 5 .


الصفحة 24

الليل الذي هو مستحب عباديّ لا يتغيّر عمّا كان عليه من الحكم بسبب تعلّق النذر به ، فصلاة الليل لا تتغيّر عمّا كانت عليه من الحكم الاستحبابي التعبّدي بسبب النذر وإن كان الوفاء بالنذر واجباً توصّليّاً ، كما في الوفاء بالشرط المأخوذ في العقد اللزومي ، كالخياطة المشترطة على البائع في البيع ; فإنّ الواجب على الخيّاط ليس هي الخياطة بحيث تكون للخياطة حكمان : الإباحة قبل الشرط، والوجوب بعده ، بل الواجب عليه هو الوفاء بالشرط بعنوانه بمقتضى «المؤمنون عند شروطهم»(1) .

وقد ثبت في محلّه أ نّ الحكم لا يتعدّى عن متعلقه إلى غيره ولا يسري إليه حتى في موارد اتّحاد العنوانين خارجاً ، كما في موارد اجتماع الأمر والنهي ـ مثل الصلاة ـ والتصرّف في مال الغير بغير إذنه ، فضلاً عن المقام الذي لا يكون هناك اتّحاد أصلاً .

وعليه : فلا مجال لاحتمال وجوب صلاة الليل بعنوانها وإن تعلّق النذر بها ـ مع أ نّه إن قلنا بارتفاع الاستحباب بذلك فِلمَ لا يرتفع عنوان العباديّة الناشىء من الحكم الاستحبابي التعبّدي ؟ ـ لما ذكرنا من أ نّ وجوب الوفاء بالنذر توصّلي لا  تعبّدي ، وعلى ما ذكرنا فالصوم في المقام هو الصوم المستحب المنذور ; ضرورة عدم الشمول للصوم المحرّم كما في صوم العيدين ، والانصراف عن الواجب كصوم القضاء يكون باقياً على استحبابه العبادي ، ولا يتغيّر بسبب النذر عمّا كان عليه من الحكم ، فيجري فيه حكمه .

ولو فرض زوال استحبابه فلا يبقى مجال لبقاء عباديّته الناشئة من استحبابه ،



(1) تهذيب الأحكام 7: 371 ذ ح1503، الاستبصار 3: 232 ذح 835 ، وعنهما وسائل الشيعة : 21 / 276، كتاب النكاح، أبواب المهور ب 20 ذ ح 4 .


الصفحة 25

ويترتّب على ما ذكرنا أ نّ الصوم الذي يجب الإتيان به وفاءً للنذر لا يكون من أقسام الصوم وأنواعه ; لأ نّ المراد منها ما تعلّق به الحكم لأجل الخصوصيّة الموجودة فيه ، وقد عرفت عدم تعلّق الحكم بالصوم بل بالوفاء بالنذر ، والعجب من الماتن (قدس سره) أ نّه مع أنّ هذا ممّا استفدنا منه في النذر كيف التزم بلزوم نيّة التعيين في النذر مطلقاً ; سواء كان النذر مطلقاً أو معيّناً .

نعم ، ذكر المحقّق العراقي (قدس سره) في الشرح المزبور ما هذه عبارته : نعم ، لو كان في ذمّته صوم غيره بإجارة أو ما هو متعلّق حقّ الغير بنذر أو غيره لابدّ في وقوعه وفاءً لأمر إجارته أو نذره مثلاً; من قصد الصوم الخاصّ زائداً على القربة كي به يتعيّن الكلّي في ذمّته، كما هو الشأن في كلّية الديون الماليّة ، وهذه الجهة هي نكتة قصديّة الوفاء في أمثال هذه المقامات، لا أ نّها بنفسها من العناوين القصديّة كالظهريّة والعصريّة، انتهى(1) .

وقد استظهر بعض الأعلام (قدس سره) الذي هو من تلاميذه ما ذكرناه أيضاً ممّا يرجعإلى أ نّ الأمر النذري توصّلي لا يحتاج سقوطه إلى قصد هذا العنوان ، كما في العهد واليمين والشرط في ضمن العقد ونحو ذلك ، ومناط العباديّة إنّما هو الأمرالنفسي الاستحبابي العبادي المتعلّق بذات العمل ، وفي رتبة سابقة على الأمرالناشئ من قبل النذر ونحوه ، وفرّع عليه: أ نّه لو نذر أن يصلّي نافلة الليل في ليلةخاصّة فغفل ، ومن باب الاتّفاق صلّى تلك الليلة برئت ذمّته وتحقّق الوفاء وإن كان غافلاً عنه(2) .



(1) شرح تبصرة المتعلّمين 3 : 125 ـ 126 .
(2) المستند في شرح العروة 21 : 14 .


الصفحة 26

وقد صرّح في موضع آخر(1) بأنّه إذا كان مديناً لزيد بعشرة دنانير، وقد كان مديناً له أيضاً بعشرة اُخرى بعنوان الرهانة، فأدّى عشرة لطبيعي الدين من غير قصد فكّ الرهن ، فحيث إنّه لم يقصد هذه الخصوصيّة فلا جرم كانت باقية وينطبق الطبيعي على الأوّل الأخفّ مؤونة بطبيعة الحال .

نعم ، ربّما يتحقّق الخلط من جهة أ نّ العنوان المتعلّق لوجوب الوفاء عنوان قصديّ لا يتحقّق إلاّ بالقصد، كعنوان أداء الدين ; فإنّه يعتبر فيه قصد الأداء بعنوانه به في مقابل الهبة والمصالحة وغيرهما ، وأمّا السبب الموجب للوفاء من الإجارة والنذر وغيرهما فهو أمر توصّلي لا يعتبر فيه القصد بوجه ، فتأمّل حتى لا يختلط عليك الأمر .

ثالثها : المندوب ، وقد استظهر فيه في المتن عدم اعتبار نيّة التعيين في المندوب المطلق إذا كان في نفسه صحيحاً ، كما في المندوب المطلق الذي يصلح الزمان له لأجل عدم ثبوت الفرض عليه ، وكون الشخص ممّن يصحّ منه التطوّع ، بل وكذا في المندوب المعيّن إذا كان تعيّنه بالزمان الخاصّ ، كالأيّام المذكورة في المتن مع استدراكه توقّف الثواب الخاصّ على إحراز الخصوصيّة وقصدها .

أقول : أمّا عدم الاعتبار في المندوب المطلق، كما إذا نوى صوم الغد من دون خصوصيّة فيه ; فلأجل أ نّ الخصوصيّة التي يحتمل اعتبارها في النيّة هي الاستحباب في مقابل الوجوب ; لعدم وجود شيء غيره مع وضوح أ نّهما وصفان للأمر ; فإنّه تارة يكون وجوبيّاً واُخرى استحبابياً ، وإلاّ فليس للمتعلّق خصوصيّة ، فإذا أتى بالمستحب بقصد القربة بتخيّل أ نّه واجب كذلك فالظاهر هي



(1) المستند في شرح العروة 21 : 26 ـ 27 .


الصفحة 27

الصحّة، فضلاً عن المقام الذي لم ينو الوجوب أيضاً ، بل نوى صوم الغد لله تعالى من دون تعيين خصوص الوجوب أو الاستحباب .

وأمّا المندوب المعيّن الذي يكون تعيّنه بالزمان الخاصّ، كما في الأمثلة المذكورة في المتن ، فالظاهر هو التفصيل بين أصل الصحّة ، وبين إحراز الخصوصيّة لأجل الوصول إلى الثواب المخصوص ، ففي الأوّل لا يعتبر إلاّ قصد أصل العبادة والصوم مع رعاية قصد القربة ، وفي الثاني يعتبر إحراز الخصوصيّة وقصدها ; فإنّ من صام يوم النصف من شعبان ، فإن لم يلتفت إلى هذه الخصوصيّة أو ثبوتها في الشرع ، بل صام فيه بما أ نّها من الأيّام التي لا يحرم عليه الصوم فيه ولا يكون عليه قضاء وشبهه ، لا مجال لاحتمال بطلان صومه لعدم رعاية هذه الخصوصيّة ، بل ربما يكون الشخص ملتفتاً إليها ومع ذلك يكون صومه فيه بما أ نّه يوم من الأيام كذلك ، فلا إشكال في الصحّة ، فهل يمكن الالتزام بأ نّه في يوم النصف من شعبان لابدّ لمن ينوي الصوم فيه أن يصوم بهذه الخصوصيّة ؟ وهل لايجوز الصوم المطلق فيه ؟ من الواضح خلافه.

نعم ، توقّف حصول الثواب المخصوص على إحراز الخصوصيّة وقصده ـ مع أ نّا ذكرنا بالإضافة إلى رمضان أ نّ الخصوصيّة المأخوذة إن كانت من جهة الزمان الخاصّ لا يعتبر فيه خصوص ذلك الزمان ـ فلأجل ما تقدّم من الإجماع بل الضرورة على اختصاص شهر رمضان ووجود الخصوصيّة فيه من جهة لزوم الصوم، أو الإفطار لأجل السفر والمرض ونحوهما ، ولا تكون هذه الخصوصيّة موجودة في المقام ، مضافاً إلى عدم إمكان التعيين بدون النيّة ، فمن صام في يوم من تلك الأيّام ملتفتاً إلى الخصوصيّة الموجودة فيه لا يتعيّن صومه لها إلاّ مع القصد لوجود الصحّة بالإضافة إلى كلتا الصورتين على ما عرفت .


الصفحة 28

مسألة 2 : يعتبر في القضاء عن الغير نيّة النيابة ولو لم يكن في ذمّته صوم آخر 1.

مسألة 3 : لا يقع في شهر رمضان صوم غيره ; واجباً كان أو ندباً ; سواء كان مكلّفاً بصومه أم لا، كالمسافر ونحوه ، بل مع الجهل بكونه رمضاناً أو نسيانه   1ـ أمّا اعتبار نيّة النيابة في القضاء عن الغير فلثبوت عنوانين موجبينللقصد : القضاء، وكونه عن الغير ، وقد عرفت أ نّه في القضاء عن النفس لابدّمن قصده; لكونه من العناوين الطارئة المنوعة غير المرتبطة بخصوصيّة الزمانكما في شهر رمضان ، وأمّا لزوم كونه عن الغير; فلأ نّ الوفاء بعقد الإجارة المأموربه لا يتحقّق بدون ذلك ، فإنّ العمل المستأجر عليه هو الصوم نيابة عن الغيرلا شيء آخر ولا  الصوم غير النيابي عنه ، وهذا بخلاف النذر المتعلّق بالصوم ;فإنّ المنذور هو نفس طبيعة الصوم من دون أمر آخر ، فما ربّما يتوهّم في بادئالنظر من عدم الفرق بين وجوب الوفاء بعقد الإجارة ، وبين وجوب الوفاءبالنذر ليس على ما ينبغي ; فإنّ متعلّق الإجارة هو الصوم القضائي بنيابةالغير . وأمّا متعلّق النذر فليس إلاّ نفس الطبيعة ، ولأجله لا يكون النذر منوّعاًكما عرفت ، بخلاف القضاء عن الغير الذي هو متعلّق الإجارة ، فالفرق بين الأمرين واضح .


ثمّ إنّه لا فرق فيما ذكرنا بين أن تكون النيابة استئجارية أو تبرّعية ، كماإذا قضى صوم صاحبه الميّت الذي فات عنه الصوم في بعض الأيّام ، كما أ نّهلا فرق فيما ذكرنا بين أن يكون في ذمّته صوم آخر، وبين أن لم يكن ; لعدم الموجبللفرق .


الصفحة 29

لو نوى فيه صوم غيره يقع عن رمضان كما مرّ 1.

مسألة 4 : الأقوى أ نّه لا محلّ للنيّة شرعاً في الواجب المعيّن رمضاناً كان أو غيره ، بل المعيار حصول الصوم عن عزم وقصد باق في النفس ولو ذهل عنه بنوم أو غيره . ولا فرق في حدوث هذا العزم بين كونه مقارناً لطلوع الفجر أو قبله ، ولا بين حدوثه في ليلة اليوم الذي يريد صومه أو قبلها ، فلو عزم على صوم الغد من اليوم الماضي ، ونام على هذا العزم إلى آخر النهار ، صحّ على الأصحّ . نعم ، لو فاتته النيّة لعذر كنسيان أو غفلة أو جهل بكونه رمضاناً أو مرض أو سفر ، فزال عذره قبل الزوال يمتدّ وقتها شرعاً إلى الزوال لو لم يتناول المفطر ، فإذا زالت الشمس فات محلّها .


نعم ، في جريان الحكم في مطلق الأعذار إشكال ، بل في المرض لا يخلو من إشكال وإن لا يخلو من قرب . ويمتدّ محلّها اختياراً في غير المعيّن إلى الزوال دون ما بعده ، فلو أصبح ناوياً للإفطار ولم يتناول مفطراً فبدا له قبل الزوال أن يصوم قضاء شهر رمضان أو كفّارة أو نذراً مطلقاً ، جاز وصحّ دونما بعده . ومحلّها في المندوب يمتدّ إلى أن يبقى من الغروب زمان يمكنتجديدها فيه2 .

1ـ قد تقدّم البحث عن هذه المسألة في ذيل المسألة الاُولى المتقدّمة، ولا فائدة في الإعادة والتكرار ، كما لا يخفى .

2ـ قد وقع التعرّض إلى هذه المسألة في حكم أقسام الصوم من جهة محلّ النيّة ، وهي ثلاثة :

الأوّل : ما إذا كان الصوم واجباً معيّناً رمضاناً كان أو غيره ، كالقضاء الذي ضاق


الصفحة 30

وقته الوسيع لأجل حلول الرمضان الآتي بعده بلا فصل ، وقد قوّى في المتن في هذا القسم أ نّه لا محلّ للنيّة شرعاً ; لأ نّ المعيار حصول الصوم عن عزم وقصد باق في النفس ولو ذهل عنه بنوم أو غيره ، من دون فرق بين أن يكون زمان حدوثه مقارناً لطلوع الفجر أو قبله ، بل وكذا من دون فرق بين حدوث النيّة في ليلة اليوم الذي يريد صومه أو قبلها ، فلو عزم على صوم الغد من اليوم الماضي ونام على هذا العزم جميع النهار إلى آخره ، صحّ على الأصحّ عند الماتن (قدس سره)  ، وعلى الأقوى كما سيجيء ، وليعلم أ نّ الكلام في هذا القسم يقع في مقامين :

المقام الأوّل : صورة التوجّه والالتفات إلى كون الصوم واجباً عليه كذلك غداً ، وقد نسب إلى السيّد المرتضى (قدس سره) أ نّه يمتدّ وقت النيّة فيه إلى الزّوال (1)، وإلى ابن الجنيد الامتداد إلى أن يبقى من الغروب زمان يمكن تجديد النيّة فيه (2) ، وهل هذا الحكم على فرض ثبوته على وفق القاعدة ، أم على خلافها ؟

لا ينبغي الإشكال في الثاني ; ضرورة أ نّ الصّوم وإن كان من الواجبات العدميّة ومشتملاً على التروك المتعدّدة ، إلاّ أ نّه أمر عباديّ يحتاج إلى نيّة عنوانه وإن كانفي مثل النذر لا حاجة إلى نيّة عنوانه ، كما عرفت من أ نّ الأمر بالوفاء بالنذرأمر توصّلي لا تعبّدي . ومن المعلوم أ نّ هذا الأمر العبادي يكون ابتداؤه طلوعالفجر وانتهاؤه الليل ، فاللازم أن يكون من أوّل الشروع مقروناً بالنيّة . وعليه :فالحكم بالصحّة كما حكي عنهما لابدّ وأن يكون على خلاف القاعدة; لأجلالروايات الواردة الآتية التي لابدّ من البحث فيها من جهة الشمول لصورة العلم



(1) رسائل الشريف المرتضى 3 : 53 .
(2) حكى عنه في مختلف الشيعة 3 : 235 مسألة 7 .


الصفحة 31

والالتفات وعدمه .

المقام الثاني : صورة عدم التوجّه والالتفات ، والحقّ فيها ما أفاده في المتن من كفاية كون النيّة مقارنة لطلوع الفجر أو قبله وإن كان حادثاً في الليلة الماضية بل اليوم الماضي ; لبقائها ارتكازاً واستمرارها كذلك بحيث لو سئل عن ذلك لأجاب بأنّه صائم ، وإلاّ لما جاز له عدم التوجّه ولو في بعض النهار وإن كان في حال الصلاة ; لأنّه مشتغل بالعبادة في جميع أجزاء النهار ، ولا مجال لدعوى لزوم المقارنة مع طلوع الفجر ، أو الوقوع متّصلاً به بعد تعسّر ذلك لو فرض عدم تعذّره ; لأ نّ تشخيص الطلوع الحقيقي بحيث تحقّقت المقارنة ، أو الاتّصال الموجب لعدم خلوّ جزء من العبادة ولو لحظة من النيّة المعتبرة في صحّة العبادة في غاية الصعوبة والإشكال ; لأ نّه يتفرّع على كون الساعة التي هي آلة معروفة لتشخيص الوقت في كمال الإتقان والصحّة ، وكان الشخص متوجّهاً في تلك اللحظة غير نائم ولا مشتغل بشيء يوجب انصرافه عن الصوم وعن مضيّ الدقائق والآنات واللحظات .

ومن الواضح خلافه ، ولذا حكي عن المشهور(1) الالتزام بجواز النيّة في الليل ، حيث إنّهم يعبّرون بالتبييت بالنيّة الشامل لجميع أجزاء الليل ولو أوائله ، وإن نسب إلى العامّة أو بعضهم لزوم كونها في النصف الآخر من الليل(2) ، وظاهره عدم الكفاية مع الحدوث في غير النصف الآخر وإن كان في أواسطه .

وهل يكون مراد المشهور الحيث المنفي الذي مرجعه إلى عدم لزوم المقارنة والاتّصال في الصوم لما ذكرنا ، بخلاف العبادات الوجوديّة التي يلزم فيها الاتّصال



(1) كفاية الفقه، المشهور بـ «كفاية الأحكام» 1 : 242 ، مفاتيح الشرائع   1 : 243 .
(2) تذكرة الفقهاء 6 : 12 ، بداية المجتهد 1 : 293 .


الصفحة 32

ولا يكفي الفصل بين زمان الحدوث وظرف العمل ، أم يكون مرادهم الحيث الإثباتي الذي مرجعه إلى لزوم وقوع النيّة في الليل ، ولازمه عدم الكفاية لو نوى عصر آخر شعبان لصوم الغد بعنوان رمضان فرضاً ، ونام إلى آخر النهار من يوم رمضان على خلاف ما في المتن وما قوّيناه .

والظاهر هو الأوّل ; لأ نّ المعتبر في العبادة استنادها إلى أمر الله تعالى ، مندون فرق بين العبادات الوجوديّة والعدميّة ، وقد ثبت ويثبت أ نّه لا يلزمالتوجّه التفصيلي إلى المفطرات الواقعيّة ، وإلاّ يلزم البطلان في كثير من المواردبل أكثرها .

نعم ، لازم ما ذكرنا عدم لزوم الحدوث في العبادات الوجوديّة مقارنة بها ، مع أ نّ المشهور على خلافه وإن التزموا بكفاية النيّة الارتكازيّة واستمرار النيّة حكماً بعد الحدوث كذلك ، لكن لقائل الاستشكال عليهم بعدم اللزوم في العبادات الوجوديّة أيضاً مع إحراز الاستناد وعدم كون الداعي إلى الإتيان بها إلاّ أمر الله تبارك وتعالى ، لكنّ الكلام فعلاً في الصوم الذي هو من الواجبات العدميّة ، والظاهر أ نّ نظر المشهور إلى الحيث المنفي وعدم لزوم المقارنة والاتّصال إلى طلوع الفجر . وعليه : فلا فرق بين كون الحدوث في الليل أو قبله، كما لا يخفى .

ثمّ إنّه حكي عن ابن أبي عقيل(1) ما حكي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) من أ نّه : لا صيام لمن لم يبيّت الصيام من الليل(2) وإن كان غير موجود في كتبنا الروائيّة، بل موجود في



(1) حكى عنه في مختلف الشيعة 3: 253 مسألة 17.
(2) مستدرك الوسائل 7 : 316 ، أبواب وجوب الصوم ونيّته ب 2 ح 1، السنن الكبرى للبيهقي 6 : 189 ، باب الدخول في الصوم بالنيّة ح 8001 و 8003 و ص 215 باب نيّة الصيام للغد ح 8081 ، كنز العمّال 8  : 493 ح23789 ـ 23791.


الصفحة 33

الكتب الفقهيّة (1) ، وظاهر هذا التعبير عدم كفاية المقارنة والاتّصال، وتعيّن كون النيّة في الصوم واقعة في الليل ، ولا أقلّ في النصف الآخر من الليل كما في المبيت بمنى ، حيث إنّه لا فرق فيه بين النصف الأوّل والنصف الأخير ، كما اخترناه في بحث الحجّ من هذا الشرح (2) .

وعليه : فمرجعه إلى ثبوت خصوصيّة في باب الصوم غير ثابتة في غيره من العبادات ولو كانت عدميّة ، وهل المراد ذلك ، أو أ نّ المراد هو الحيث المنفي الذي أشرنا إليه ; وهو عدم اعتبار الاتّصال والمقارنة لطلوع الفجر ; لما ذكرنا من التعسّر بل التعذّر وكفاية كون الحدوث من الليل وإن كان هناك فصل بين زمان الحدوث وبين الطلوع لكنّه باق ومستمرّ ارتكازاً. وعليه : فلا يكون للصوم خصوصيّة من بين العبادات موجبة لذلك؟ الظاهر هو الثاني ; لعدم الدليل على الأوّل ، وكون ابن أبي عقيل متفرّداً في كثير من الفتاوي لا يوجب حمل المقام عليه بعد إمكان كون المراد هو عدم جواز التأخير عن الطلوع مع التوجّه والالتفات، كسائر العبادات من دون فرق . هذا كلّه مع التوجّه والالتفات .

وأمّا إذا كان فوات النيّة في صورة عدم التوجّه، فلا إشكال في جواز التأخير عن الطلوع مع ثبوت العذر في الجملة ، وقد قام الدليل على أ نّ المسافر إذا رجع إلى وطنه قبل الزوال ولم يتحقّق منه الإفطار يجوز بل يجب عليه النيّة في رمضان ، وبعد ملاحظة أ نّ الحكم على خلاف القاعدة ; لأ نّ مقتضاها عدم خلوّ جزء من أجزاء النهار عن نيّة الصوم ، والمفروض تحققها قبيل الزوال لا عند طلوع الفجر ولا قبله



(1) المعتبر 2 : 643 ، الانتصار : 181 ـ 182 ، مصباح الفقيه 14 ، كتاب الصوم : 310 .
(2) تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة، كتاب الحجّ 5 : 397 .


الصفحة 34

بنحو ما عرفت ، فاللازم في إسراء الحكم على تقدير الجواز أن يدّعى إلغاء الخصوصيّة وأ نّه لا خصوصيّة للسفر ، بل الحكم المذكور إنّما هو لأجل كونه من الأعذار ، أو يدّعى الفحوى والأولويّة بلحاظ أ نّ المسافر الذي لم يكن يجب عليه الصوم; لظهور الآية (1) في أ نّ من كان مريضاً أو على سفر فعدّة من أيّام اُخر .

وظاهره تقسيم السنة من جهة الأيّام إلى شهر رمضان وغيره ، والمسافر لا يجب عليه الصوم إلاّ في أيّام اُخر فيما إذا وجب عليه النيّة لو رجع قبل الزوال ولم يتحقّق منه الإفطار ، فسائر ذوي الأعذار بطريق أولى، ولا أقلّ من دعوى إلغاء الخصوصيّة، سيّما بالإضافة إلى المريض المعطوف عليه المسافر في الآية التي عرفت .

وكيف كان ، فمقتضى الروايات الكثيرة الواردة في السفر أ نّ المسافر إذا رجع إلى وطنه ولم يفطر يمتدّ وقت النيّة في صومه إلى الزوال ، ومفادها وجوب ذلك عليه على خلاف القاعدة المقتضية ; لما ذكرنا من بطلان العبادة إذا كان جزء منها فاقداً للنيّة ، وقد وردت في الجهل مرسلة(2) عاميّة غير مذكورة في كتبنا الروائية دالّة على أنّ ليلة الشك أصبح الناس ، فجاء أعرابيّ فشهد برؤية الهلال ، فأمر (صلى الله عليه وآله) منادياً ينادي من لم يأكل فليصم، ومن أكل فليمسك .

وهذه الرواية لا مجال للاعتماد عليها ; لأنّها مضافاً إلى الإرسال وكون الراوي عامّياً، لا دلالة فيها على كون الرجل الشاهد عادلاً ، فضلاً عن لزوم التعدّد في الشاهد ، بل الظاهر كونه مجهول الحال وأ نّ التنوين للتنكير ، مع أ نّه لم يقع التعرّض فيها للفرق بين ما قبل الزوال وما بعده ، مع أ نّ عدم الأكل أعمّ من تناول المفطر



(1) سورة البقرة 2 : 184 .
(2) المعتبر 2: 646، الحدائق الناضرة 13: 19 ـ 20، مصباح الفقيه 14 ، كتاب الصوم : 314 .


الصفحة 35

الآخر كالجماع مثلاً ، فتدبّر . مع ورودها في الجهل بالموضوع ; لأ نّ المفروض كون اليوم يوم الشك في أ نّه من شعبان أو رمضان ، فهل تمكن استفادة حكم المريض منها أو الجهل بالحكم أو زوال الحيض ومثله ؟ وأمّا ما حكي عن المحقّق الهمداني (قدس سره) من دعوى الانجبار بعمل المشهور(1) فهو غير تامّ بعد عدم إحراز استناد المشهور إلى مثلها، واحتمال استنادهم إلى الوجوه الاُخر التي مرّت الإشارة إليها .

ثمّ إنّه ربما يتمسّك للحكم في صورة الجهل والنسيان بحديث الرفع(2) المتضمّن لرفع ما لا يعلمون والخطأ والنسيان ، مع أ نّه من الواضح أ نّ الحديث دالّ على رفع الحكم ومسوق في مقام الامتنان ، والغرض إثبات الوجوب على ذوي الأعذار قبل الزوال على خلاف القاعدة، كما في المسافر على ما عرفت ، والامتنان لا يلائم ذلك .

ثمّ إنّ قوله في المتن : «نعم في جريان الحكم في مطلق الأعذار إشكال ، بل في المرض لا يخلو من إشكال  وإن لا يخلو من قرب» إلاّ أنّه غير خال عن الإجمال والإبهام ; فإنّ الظاهر أنّ قوله: «في مطلق الأعذار إشكال » ، ناظر في نفسه إلى الأعذار غير المذكورة في كلامه من الجهل والنسيان والغفلة والمرض والسفر ، لكنّ التّرقّي عن ذلك بقوله : «بل في المرض لا يخلو من إشكال »، يشعر بل يدلّ على عدم كون المراد من المطلق ما ذكرنا .

وقد انقدح من جميع ما ذكرنا أنّ الحكم جار بالإضافة إلى المسافر الذي رجع قبل الزوال ولم يتناول المفطر ، وهو على خلاف القاعدة المقتضية للبطلان على ما عرفت ، فاللازم الاقتصار عليها ما لم يكن هناك دليل، وقد مرّ عدمه .



(1) مصباح الفقيه 14 : 314 .
(2) الفقيه 1 : 36 ح 132 ، الخصال : 417 ح 9 ، وعنهما وسائل الشيعة 8 : 249 ، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 30 ح 2 .


الصفحة 36

القسم الثاني : الواجب غير المعيّن ، كالقضاء الذي لم يتضيّق وقته ونحو ذلك ، وفي المتن: أ نّه «يمتدّ محلّها اختياراً في غير المعيّن إلى الزوال» ، وقد فرّع عليه أ نّه «لو أصبح ناوياً للإفطار ولم يتناول مفطراً ، فبدا له قبل الزوال أن يصوم قضاء شهر رمضان أو كفّارة أو نذراً مطلقاً ، جاز وصحّ دون ما بعده ». ولا ينافي ذلك ما ذكرناه في النذر من عدم كونه منوّعاً لأقسام الصوم ، بل لا يكون هناك إلاّ وجوب الوفاء بالنذر ، وهو تكليف توصّلي لا تعبّدي ; لأ نّ الكلام هنا إنّما هو بالإضافة إلى نيّة الصوم الذي عرفت أ نّه أمر عبادي مفتقر إلى النيّة .

وليعلم أ نّه لا فرق في مقتضى القاعدة بين هذا القسم وبين القسم الأوّل ; فإنّ العبادة كما عرفت تحتاج إلى النيّة بالإضافة إلى جميع أجزائها ، ولا مجال للصحّة فيها في صورة خلوّ بعض الأجزاء من النيّة ولو لحظة ، إلاّ أ نّ النصّ والفتوى متطابقان على الصحّة في هذا القسم في صورة التأخير عن الطلوع ولو اختياراً ، غاية الأمر أ نّ المشهور ذهبوا إلى أنّ وقت النيّة في هذا القسم يمتدّ إلى الزوال ; أي لحظة قبله ، وحكي عن ابن الجنيد الامتداد إلى الغروب، كما في المندوب على ما يأتي ، واللازم ملاحظة الروايات من هذه الجهة ، وإلاّ فأصل جواز التأخير لا   ارتياب فيه بالنظر إليها .

فنقول : هي كثيرة :

منها : صحيحة الحلبي ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث قال : قلت له : إنّ رجلاً أراد أن يصوم ارتفاع النهار، أيصوم ؟ قال : نعم(1) . ولا خفاء في انصرافها عن



(1) الكافي 4 : 121 ح 1 ، وعنه وسائل الشيعة 10: 10 ، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيّته ب 2 ح 1 و ص 19 ب 4 ح 13 .


الصفحة 37

الواجب المعيّن وشمولها للواجب غير المعيّن ، بل المندوب مطلقاً ، كما أ نّه لا خفاء في أ نّ الفهم العرفي يقتضي الاختصاص بما إذا لم يتناول الرجل المفطر بوجه ; ضرورة أ نّ المراد من قوله (عليه السلام)  : «أراد أن يصوم ارتفاع النهار» خصوص هذه الصورة ، ولا يشمل ما إذا تناول المفطر بوجه . نعم ، خصوصيّة الرواية إنّما هي من جهة عدم الاختصاص بالقضاء كأكثر ما يأتي ، ولا دلالة لها على انتهاء وقت النيّة وأ نّه قبل الزوال، أو أعمّ منه وممّا إذا نوى قبل الغروب، ولا تنفي الثاني كما لا يخفى .

ومنها : صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج ، عن أبي الحسن (عليه السلام) في الرجل يبدو له بعد ما يصبح ويرتفع النهار في صوم ذلك اليوم ليقضيه من شهر رمضان ولم يكن نوى ذلك من الليل ، قال : نعم، ليصمه وليعتدّ به إذا لم يكن أحدث شيئاً(1) .

وهذه كالرواية السابقة ، غاية الأمر أ نّ موردها القضاء ، وظاهرها عدم كون القضاء واجبة عليه مع التضيّق ، بل مع السعة . وقوله (عليه السلام)  : «إذا لم يكن أحدث شيئاً» بعد ظهور كونه قيداً للجملتين، له ظهور أيضاً في أ نّ المراد من إحداث الشيء هو تناول بعض المفطرات .

ومنها : صحيحة محمد بن قيس ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : قال عليّ (عليه السلام)  : إذا لم  يفرض الرجل على نفسه صياماً ثمّ ذكر الصيام قبل أن يطعم طعاماً أو يشرب شراباً ولم يفطر فهو بالخيار ، إن شاء صام وإن شاء أفطر(2). والظاهر أ نّ المراد من قوله (عليه السلام)  : «إذا لم يفرض الرجل على نفسه صياماً» هو عدم نيّة الصوم من طلوع



(1) الكافي 4 : 122 ح 4 ، تهذيب الأحكام 4 : 186 ذ ح 522 ، وعنهما وسائل الشيعة 10 : 10 ، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونّيته ب 2 ح 2 .
(2) تهذيب الأحكام 4 : 187 ح 525 ، وعنه وسائل الشيعة 10 : 11 ، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيّته ب 2 ح 5 .


الصفحة 38

الفجر ; لعدم التوجّه إلى الصوم أصلاً ، لكن مقتضى إطلاقها عدم الفرق بين قبل الزوال وبعده إلى الغروب . ثمّ قد وقع فيها الخيار في الصوم وعدمه مقيّداً بصورة عدم تناول المفطر .

ومنها : موثقة عمار الساباطي ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) عن الرجل يكون عليه أيّام من شهر رمضان ويريد أن يقضيها، متى يريد أن ينوي الصيام ؟ قال : هو بالخيار إلى أن تزول الشمس ، فإذا زالت الشمس فإن كان نوى الصوم فليصم ، وإن كان نوى الإفطار فليفطر . سئل : فإن كان نوى الإفطار يستقيم أن ينوي الصوم بعدما زالت الشمس؟ قال : لا، الحديث(1) . وهذه هي الرواية الوحيدة التي حكم فيها بأ نّ الغاية للامتداد هو زوال الشمس ، وأ نّه لا تجوز له النيّة بعد الزوال ، والظاهر أ نّ المراد من قوله (عليه السلام)  : «فإن كان نوى الإفطار» هو عدم نيّة الصوم بعد التذكّر وزوال الغفلة لا نيّة الإفطار ، كما لايخفى .

وحينئذ فالسؤال البعدي لعلّه ناظر إلى احتمال السائل أن يكون المراد من قوله (عليه السلام) : «فليفطر» في صورة نيّة الإفطار، هو الاستحباب غير المنافية لاستقامة نيّة الصوم وتحقّقه بعد الزوال ، ولذا سئل عن ذلك فأجاب (عليه السلام) بما يرجع إلى لزوم الإفطار في الصورة المذكورة، لا مجرّد الاستحباب .

ومنها : رواية اُخرى لعبد الرحمن بن الحجاج قال : سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن الرجل يصبح ولم يطعم ولم يشرب ولم ينو صوماً وكان عليه يوم من شهر رمضان ، أله أن يصوم ذلك اليوم وقد ذهب عامّة النهار ؟ فقال : نعم ، له أن يصومه



(1) تهذيب الأحكام 4 : 280 ح 847 ، الاستبصار 2 : 121 ح 396 ، وعنهما وسائل الشيعة 10 : 13 ، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيّته ب 2 ح 10 .


الصفحة 39

ويعتدّ به من شهر رمضان(1) . والظاهر أ نّ المتفاهم العرفي من ذهاب عامّة النهار هو ذهاب أكثر أجزائه ، وحمل العبارة على المجاز ـ كما حكي عن جماعة من الأصحاب على ما في الوسائل ـ أو على أ نّ ما بين طلوع الفجر والزوال أكثر من نصف النهار (2)، خلاف الظاهر جدّاً .

ومنها : رواية هشام بن سالم ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : قلت له : الرجل يصبح ولا ينوى الصوم، فإذا تعالى النهار حدث له رأي في الصوم ، فقال : إن هو نوى الصوم قبل أن تزول الشمس حسب له يومه ، وإن نواه بعد الزوال حسب له من الوقت الذي نوى(3) . والتبعّض في أجزاء النهار والحساب له من الوقت الذي نوى يوجب حمل الرواية على الصوم المندوب القابل له ، دون الواجب وان كان غير معيّن ; لأ نّ المطلوب فيه هو جميع أجزاء النهار كما لا يخفى ، وبعبارة اُخرى : يجري في كلامه الأخير (عليه السلام) احتمالات ثلاثة :

أحدها : أن يكون كناية عن البطلان فيما لو تحقّقت النيّة بعد الزوال ; نظراً إلى أ نّ الصوم حيث يكون في جميع أجزاء النهار من جهة ، ومن جهة اُخرى يكون أمراً عباديّاً، ولازمه وقوع جميع الأجزاء عن النيّة ، ولذا قلنا بلزوم المقارنة مع طلوع الفجر أو تحقّق النيّة قبله مع الاستمرار الحكمي ، فمرجع الكلام إلى أ نّه لايمكن التبعّض في الصوم ، وهذا بخلاف ما إذا وقعت النيّة قبل الزوال ; فإنّ الصوم



(1) تهذيب الأحكام 4 : 187 ح 526 و 530 ، وعنه وسائل الشيعة 10 : 11 ، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونّيته ب 2 ح 6 .
(2) وسائل الشيعة 10 : 11 ، جُمل العلم والعمل : 89 .
(3) تهذيب الأحكام 4 : 188 ح 532 و 528 ، وعنه وسائل الشيعة 10 : 12 ، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيّته ب 2 ح 8 .


الصفحة 40

فيه صحيح بالإضافة إلى جميع أجزاء النهار ولا يكون هناك تبعّض ، فإذا استلزم ذلك في مورد يكون الحكم هو البطلان; لعدم القابليّة للتبعّض ، وهذا خلاف الظاهر، خصوصاً مع قوله (عليه السلام)  : «حسب له» كما لا يخفى .

ثانيها : دلالة الرواية على التبعّض في الصحّة ، ولا محالة تكون محمولة على غير الواجب ; لأ نّ الواجب هو الصوم في جميع أجزاء النهار ، والرواية على هذا الاحتمال لا دلالة لها على قول المشهور، كما أ نّها لا تنافيه ، إلاّ أ نّها تدلّ على جواز التبعّض في الصوم . وعليه : فالنيّة قبل الزوال موجودة موجبة لتحقّق الصوم في جميع أجزاء اليوم ، والنيّة بعد الزوال موجبة لتحقّقه من حيث حدوث النيّة .

ثالثها : أن يكون المراد هو التبعّض لا في الصحّة ، بل فى الأجر والثواب ، والصورتان مشتركتان في الحكم بالصحّة وكأ نّها مفروغ عنها ، إلاّ أ نّ من نوى قبل الزوال يكون المحسوب له هو الصوم في جميع أجزاء النهار فيثاب ويؤجر عليه ، بخلاف من نوى بعد الزوال ; فإنّه لا يؤجر إلاّ بمقدار ما بعد النيّة ، وعلى هذا الاحتمال لابدّ من الحمل على غير الواجب معيّناً كان أو غيره ; لأ نّ المطلوب فيه هو الصوم في المجموع ، ولازم هذا الاحتمال أن يقال : إنّ «تعالى النهار» في قول السائل يشمل قبل الزوال وبعده ، مع أن الظاهر اتّحاد معناه مع ارتفاع النهار الوارد في بعض الروايات المتقدّمة ، ولا مانع من التبعّض في الأجر، كما في الصلاة بالإضافة إلى الأجزاء من حيث التوجّه والعدم .

وهنا احتمال رابع في الرواية ; وهو الحمل على كونها مجملة غير مبيّنة المراد ، ولكنّه خلاف الظاهر جدّاً .

ومنها : رواية ابن سنان يعني عبدالله ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال في حديث : إن بدا له أن يصوم بعدما ارتفع النهار فليصم ; فإنّه يحسب له من الساعة التي نوى

<<التالي الفهرس السابق>>