في:  
                       
 
 
 

من حياة سماحته قائمة المؤلفات الأحکام و الفتاوى الأسئلة العقائدية نداءات سماحته  الصور  لقاءات و زيارات
المکتبة الفقهية المختصة الصفحة الخاصة المواقع التابعة أخبار المكاتب وعناوينها الدروس المناسبات القرآن والمناجات

<<التالي الفهرس السابق>>



(الصفحة261)

وأمّا إبهاما الرجلين كما في رواية زرارة المتقدمة(1) أو أطراف القدمين ، كما في رواية ابن عباس(2) ، أو الرجلان كما فيما رواه في قرب الإسناد(3) ، فلا إشكال في وجوب السجود عليهما ، وفي كون المراد بالرجلين وأطراف القدمين هو إبهاميهما ، ولكن لا دليل على لزوم أن يكون الاعتماد على رأسهما ، بل الظاهر كفاية ظاهرهما وباطنهما ، نعم الأحوط ذلك .

هنا مسائل:

المسألة الأولى : اعتبار عدم علو موضع الجبهة عن الموقف

يجب أن ينحني المصلّي للسجود حتّى يتساوى موضع جبهته مع موقفه ، إلاّ أن يكون العلوّ بمقدار لبنة ، ويدلّ عليه استمرار السيرة من الأزمنة المتقدمة إلى زماننا هذا على ذلك ، اللهمّ إلاّ أن يقال : إنّ استمرار السيرة على بعض أفراد الطبيعة ، لا يدلّ على عدم كفاية غيره في مقام امتثال الأمر بالطبيعة ، ومع الشكّ في اعتبار التساوي يكون المرجع هو أصل البراءة الجاري في موارد دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين .
هذا ، ولكن وردت هنا روايات ظاهرة في كون العلوّ الزائد على مقدار اللبنة مخلاًّ ومانعاً عن تحقق الصلاة شرعاً :
منها : ما رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن

(1) الوسائل 6: 343. أبواب السجود ب4 ح2.
(2) سنن البيهقي 2: 101 و 103 .
(3) قرب الإسناد: 36 ح69 .

(الصفحة262)

عبدالله بن سنان قال : سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن موضع جبهة الساجد أيكون أرفع من مقامه؟ فقال : «لا ، ولكن ليكن مستوياً»(1) .
ومنها : ما رواه أيضاً عنه، عن النضر بن سويد، عن عاصم بن حميد، عن أبي بصير يعني المرادي قال : سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن الرجل يرفع موضع جبهته في المسجد؟ فقال : «إنّي أحبّ أن أضع وجهي في موضع قدمي، وكرهه»(2) .
ومنها : ما رواه أيضاً بإسناده عن محمّد بن عليّ بن محبوب، عن النهدي، عن ابن أبي عمير، عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : سألته عن السجود على الأرض المرتفع؟ فقال : «إذا كان موضع جبهتك مرتفعاً عن موضع بدنك قدر لبنة فلا بأس»(3) . وقد نوقش في سندها باشتراك النهدي بين جماعة لم يثبت توثيق بعضهم ، ولكن يدفعها ـ مضافاً إلى انجبارها بفتوى الأصحاب على طبقها ـ أنّ المراد بالنهدي هو الهيثم بن أبي مسروق ، لرواية محمّد بن عليّ بن محبوب عنه ، وهو ممدوح في كتب الرجال ، كما أنّه قد يناقش في الرواية بأنّ في بعض النسخ بدل «بدنك» «يديك» باليائين المثناتين ، فلا دلالة لها حينئذ على حكم الموقف ، ولكن الظاهر أنّ هذا الاحتمال نشأ من اشتباه النساخ ، لأنّ ما ذكرنا هو الموجود في كتب الاستدلال والأخبار .
ودعوى أنّه يمكن الاستدلال بها على هذا التقدير أيضاً بالفحوى وأولويّة الموقف من اليدين كما في الجواهر(4) ، ممّا لانعرف له وجهاً .
ولا يخفى أنّ ظاهر الرواية الأولى ، هو وجوب التساوي بين موضع الجبهة

(1) التهذيب 2 : 85 ح315; الكافي 3: 333 ح4; الوسائل 6 : 357 . أبواب السجود ، ب10 ح1.
(2) التهذيب 2: 85 ح316; الوسائل 6: 357. أبواب السجود ب10 ح2.
(3) التهذيب 2 : 313 ح1271; الوسائل 6 : 358 . أبواب السجود ب11 ح1 .
(4) جواهر الكلام 10 : 151 .

(الصفحة263)

والمقام ، وصريح الرواية الأخيرة هو نفي البأس عمّا إذا كان الارتفاع بمقدار لبنة ، فيجب حمل الأولى على الاستحباب ، كما تدلّ عليه الرواية الثانية ، فظهر من مجموعها عدم جواز الارتفاع الزائد عن مقدار اللبنة .
ويؤيده عدم صدق عنوان السجود فيما إذا كان الارتفاع كثيراً ، والمراد باللبنة هي المعروفة في ذلك الزمان ، وقد قدر بأربع أصابع مضمومة ، ويؤيده اللبن الموجود الآن في أبنية بني عباس في سرّ من رأى ، فإنّها بهذا المقدار تقريباً . هذا في الارتفاع .
وأمّا الانخفاض ، فمقتضى القاعدة عدم البأس به ، لأنّه يوجب مزية الخضوع ، ولكن مقتضى رواية عمّار عن أبي عبدالله(عليه السلام) عدم الجواز ، إذا كان زائداً على قدر آجرة حيث قال : سألته عن المريض أيحلّ له أن يقوم على فراشه ويسجد على الأرض؟ قال: فقال : «إذا كان الفراش غليظاً قدر آجرة أو أقلّ استقام له أن يقوم عليه ويسجد على الأرض، وإن كان أكثر من ذلك فلا»(1) .
ويحتمل أن يكون المراد من الرواية هو كون المصلّي في حال القيام على الفراش ، وفي حال السجود على الأرض بالانتقال من الفراش إليها ، لا أن يكون المراد هو السؤال عن عدم مساواة المقام مع المسجد ، وانخفاض الثاني بالنسبة إلى الأول ، ولكن هذا الاحتمال بعيد جدّاً .
فانقدح أنّه لا يجوز الارتفاع ولا الانخفاض إلاّ بمقدار أربع أصابع مضمومة الذي هو مقدار اللبنة والآجرة ، والظاهر أنّه لم يظهر الفتوى بذلك من الأصحاب في الانخفاض ، بل صرّح العلاّمة في محكيّ النهاية بوجوب تساوي الأسافل والأعالي ، أو انخفاض الأعالي(2) ، بل عن الشهيد في الذكرى ، الفتوى باستحباب

(1) الكافي 3 : 411 ح13; التهذيب 3 : 307 ح949; الوسائل 6 : 358 . أبواب السجود ب11 ح2 .
(2) نهاية الأحكام 1: 488; الذكرى 3: 389 .

(الصفحة264)

انخفاض الأعالي ، لما فيه من زيادة الخضوع(1) .
وحينئذ فالوجه في عدم الفتوى على طبق الرواية الواردة في الانخفاض ، إمّا عدم الاعتماد عليها ، وإمّا استظهار الاحتمال الثاني من الاحتمالين اللذين ذكرناهما ، وكيف كان فالفتوى بتساوي الانخفاض والارتفاع من حيث الحكم ـ وهو عدم الزيادة على اللبنة ـ مشكل ، وإن كان الأحوط ذلك .
ثم إنّ رواية عبدالله بن سنان المتقدمة الدالة على التفصيل في المسألة ، بين قدر اللبنة والزائد عليه ، تدلّ على أنّ الارتفاع بهذا المقدار إنما يلاحظ بالنسبة إلى موضع الجبهة ، وموضع البدن ، والمراد بالأول واضح ، وأمّا الثاني فيجري فيه احتمالات أربعة :
أحدها : أن يكون المراد به هو موضع البدن في حال القيام ، وهو محلّ القدمين ، ضرورة أنّ استقراره في ذلك الحال إنما هو على القدمين ، فموضعه هو المكان الذي اعتمدنا عليه كما لا يخفى .
وحكى هذا الاحتمال في الجواهر عن اُستاذه في كشف الغطاء(2) ، ولكن هذا الاحتمال في غاية البعد ، بل لا يجوز حمل الرواية عليه أصلا ، لأنّ لازمه البطلان في من كان موقفه في حال القيام أخفض من موضع الجبهة بالمقدار الزائد على اللبنة ، ولكن كان موضع الجبهة مساوياً لمواضع الأعظم الستّة في حال السجود ، كما إذا انتقل من موقفه في ذلك الحال إلى مكان مساو لموضع الجبهة لأجل السجود ، ومن الواضح عدم البطلان في هذه الصورة .
ثانيها : الاحتمال الأول بشرط أن لا ينتقل من موقفه في حال القيام إلى مكان

(1) نهاية الأحكام 1: 488; الذكرى 3: 389 .
(2) كشف الغطاء: 265; جواهر الكلام 10: 159 .

(الصفحة265)

آخر . ويبعد هذا الاحتمال أنّ اعتبار عدم كون الارتفاع زائداً على ذلك المقدار إنما هو لمراعاة تحقق السجود ، وحصول الكيفيّة الخاصة الراجعة إلى عدم ثبوت الاختلاف الكثير بين مواضع السجود ، ومن المعلوم أنّ الموقف في حال القيام ممّا لا ربط له بحال السجود ، خصوصاً بعد عدم كونه موضعاً لشيء من الأعظم السبعة .
ضرورة أنّ موضع الابهامين وكذا موضع الركبتين ، إنما هو واقع في طرفي الموقف في حال القيام ، والمحاذي له إنما هو الساق الذي يكون متجافياً عن الأرض في حال السجدة ، ولا يكون له اعتماد عليها كما هو واضح .
ثالثها : أن يكون المراد به هو موضع البدن ، وما استقرّ واعتمد عليه في حال الجلوس للسجود ، ومن المعلوم أنّ البدن في حال الجلوس يكون معتمداً على القدمين والساق والركبتين ، فالمراد بموضعه هو محلّها من الأرض الذي هو مقدار ذراع تقريباً .
وهذا الاحتمال وان كان أقرب من الاحتمال الثاني ، إلاّ أنّه يبعّده ما عرفت من أنّ ملاحظة موضع البدن في حال الجلوس ممّا لا ربط له بحال السجود الذي يصير البدن في ذلك الحال بكيفية اُخرى ، ويتغير مستقرة ومعتمدة كما لايخفى .
رابعها : وهو أظهر الاحتمالات ، أن يكون المراد به هو موضع البدن ومستقرّه في حال السجود ، ومن المعلوم أنّ استقراره في ذلك الحال إنما هو على الأعظم السبعة المعتبر وضعها على الأرض في السجدة ، فمرجع هذا الاحتمال إلى أنّه يلزم أن لا يكون التفاوت بين مواضع السجود بأزيد من مقدار لبنة .
ولكن يقع الكلام في أنّه هل يلزم ملاحظة ذلك بالنسبة إلى جميع مواضع السجود ، بأن لا يكون موضع الجبهة عالياً بذلك المقدار ، لا عن موضع اليدين ، ولا عن موضع الركبتين ، ولا عن موقف الابهامين ، أو يقال: بأنّ المراد بموضع البدن في حال السجود ، هو موضع الركبتين والابهامين فقط ، لأنّ عمدة استقراره

(الصفحة266)

في ذلك الحال إنما هو عليهما ، إذ لو فرض عدم وضع اليدين لما يضرّ ذلك بتحقق السجود ، ولا بالانحناء المعتبر فيه كما لا يخفى .
ومن هنا يمكن أن يقال : بأنّ المعتبر إنما هو موضع الركبتين فقط ، هذا ، ولكنّ الأحوط هو الوجه الأول ، كما أنّ الأظهر هو الوجه الأخير ، ويمكن أن يستفاد الوجه الأول عمّا حكي من نهاية الأحكام ، من أنّه يجب تساوي الأعالي والأسافل ، أو انخفاض الأعالي(1) ، إذ الظاهر أنّ المراد بالأعالي هو اليدان والجبهة ، وبالأسافل هو الركبتان والابهامان .
وكيف كان ، فلا يخفى أنّه لا معارضة بين هذه الرواية الدالة على اعتبار موضع البدن بالمعنى الذي ذكرنا ، وبين الرواية الاُخرى لعبدالله بن سنان المتقدمة(2) ، التي عبّر فيها بالمقام ، لأنّ الظاهر أنّ المراد بالمقام هو مكان المصلّي وموضعه ، لا موضع القيام ، وقد عرفت أنّ الأظهر بنظر العرف من ملاحظة مكان المصلّي ، هو موضعه في حال السجود ، لعدم ارتباط حال القيام ، وكذا حال الجلوس ، ببتحقق كيفية السجود المعتبرة فيه ، والانحناء الذي هو الغرض منه ، فلاتنافي بين الروايتين .

فرعٌ: لو سجد على موضع مرتفع سهواً
لو سجد فوقعت جبهته على موضع مرتفع بأزيد من مقدار لبنة سهواً ، ففي جواز رفع الرأس ثم وضعه على محلّ يصح السجود عليه ، أو وجوب الجرّ وعدم جواز الرفع ، وجهان بل قولان ، حكي الأول عن المعتبر ، والمنتهى ، وجامع المقاصد ، وكشف اللثام ، والبيان(3) ، وغيرها ، وذهب إليه صاحب الجواهر ،

(1) نهاية الأحكام 1 : 488 .
(2) الوسائل 6: 357. أبواب السجود ب10 ح1.
(3) المعتبر 2: 212; المنتهى 1 : 288; جامع المقاصد 2: 299; كشف اللثام 4: 87 ; البيان: 89 ـ 90.

(الصفحة267)

واختاره في المصباح(1) . ولكن المحكيّ عن السيد صاحب المدارك هو الثاني(2) .
وحيث إنّ القول بعدم جواز الرفع يمكن أن يكون مستنده لزوم الزيادة في الصلاة المبطلة لها ، فلابدّ لنا من التكلّم في هذه الجهة.
فنقول: ظاهر كلمات الأصحاب وفتاويهم هو الاتّفاق على أنّ زيادة السجدة الواحدة مبطلة للصلاة عمداً ، وزيادة السجدتين مبطلة لها مطلقاً ، عمداً كانت أو سهواً(3) ، وهذا الحكم وإن لم يكن منصوصاً بالخصوص ، إلاّ أنّه يستكشف من ذلك ـ أي من اتفاق الأصحاب ـ وجود نصّ معتبر ، غاية الأمر أنّه لم يصل إلينا .
وحينئذ يقع الكلام في أنّ المراد بالسجدة الزائدة المبطلة للصلاة هل هي السجدة التي كانت واجدة لجميع ما اعتبر فيها ، من طهارة المسجد ، ووقوعها على ما يصح السجود عليه ، وعدم كون موضعها أعلى من سائر المواضع بأزيد من مقدار لبنة ، وغير ذلك من الأمور المعتبرة فيها ، أو أنّ المراد بها هي طبيعة السجدة ولو لم تكن كذلك؟
وبعبارة اُخرى هل المراد بها هي السجدة الشرعية القابلة للوقوع جزءً من الصلاة ، أو طبيعة السجدة ولو لم تكن شرعية بل كانت عرفية؟
لايبعد أن يقال: بأنّ الظاهر هو الوجه الثاني ، لأنّه لو فرض أنّه سجد بعد السجدتين على موضع نجس ، أو على شيء لا يصحّ السجود عليه ، لعدم كونه من الأرض ونباتها ، فالظاهر أنّهم يحكمون ببطلان الصلاة بسببه ، مع أنّها لا تكون سجدة شرعية .

(1) جواهر الكلام 10: 159; مصباح الفقيه كتاب الصلاة: 345.
(2) مدارك الأحكام 3 : 408 .
(3) المبسوط 1: 112; الغنية: 111; المهذّب 1: 153 و 156; المراسم: 89 ; الكافي في الفقه: 119; السرائر 1: 240 ـ 241; جواهر الكلام 10: 127 و 130; مستند الشيعة 5: 231; تذكرة الفقهاء 3: 184 مسألة 256.

(الصفحة268)

ثم إنّه يقع الكلام أيضاً في أنّ المراد بالزيادة هل التي كانت من أوّل تحقّقها متّصفة بهذه الصفة ، ولازمه حينئذ أن لا يصدق عنوان الزائد على شيء إلاّ بعد حصول المزيد عليه ، أو أنّ المراد بها هي التي لا تقع جزءً للصلاة ، سواء كانت متقدّمة على المزيد عليه ، أو متأخّرة عنه .
غاية الأمر إنّ عدم وقوع الزيادة المتقدمة جزءً للصلاة ، إنما يكون مستنداً إلى عدم كونها واجدة لجميع الاُمور المعتبرة في صيرورة نوعها جزءً للصلاة ، وإلاّ فلا وجه لعدم وقوعها جزءً لها كما لا يخفى ، وأمّا الزيادة المتأخّرة فيمكن أن تكون متصفة بها مع كونها واجدة لجميع تلك الاُمور .
هذا ، والظاهر أنّ المراد بزيادة السجدتين هو الإتيان بأربع سجدات في ركعة واحدة ، فإذا شرع في السجدة الثالثة أو الرابعة يتحقق معنى الزيادة ، لعدم كون الزائد على السجدتين معتبراً في ركعة واحدة ، وهذا لا فرق فيه بين أن تكون السجدتان الاُوليان واجدتين لجميع شرائط صحة السجود ، أو لم تكن . ففي الصورة الثانية أيضاً تكون السجدتان الأخيرتان زائدتين ، وإن كانتا واجدتين لجميع شرائطها .
وحينئذ فلا يصلح شيء من السجدات للوقوع جزءً من الصلاة ، لعدم كون الاُوليان واجدتين لما يعتبر في السجود الصلوتي ، وكون الأخيرتان زائدتين ، لا يمكن أن يلتئم منهما الصلاة .
هذا ، ومقتضى ما ذكرنا أنّ الاتصاف بالزيادة دائماً إنما يتحقق عند تحقق الأمر الزائد ، ولا يتوقّف على شيء آخر ، ولو أغمض عن ذلك .
فدعوى اعتبار الاتّصاف بها من أوّل تحقّقه كما في المصباح(1) وغيره ، ممّا لا

(1) مصباح الفقيه كتاب الصلاة : 345 .

(الصفحة269)

وجه له ، لأنّه بناءً عليه أيضاً يكون حصول المزيد عليه كاشفاً من اتّصاف الزائد بها من أوّل وجوده ، لا أن يكون حصوله موجباً لاتّصافه بها من حين حصول المزيد عليه كما هو واضح .
فانقدح ممّا ذكرنا أنّ رفع الرأس في المقام من الموضع المرتفع ، ووضعه على ما دونه ، يستلزم زيادة سجدة واحدة عمداً ، وقد عرفت الاتفاق على كونها مبطلة ، وأمّا ما يظهر من الجواهر(1) ، من عدم كون وضع الجبهة على الموضع المرتفع بأزيد من لبنة مصداقاً للسجود ولو عرفاً ، فلا تبتحقق زيادة السجدة ، ففساده أظهر من أن يخفى ، ضرورة أنّ وضع الجبهة على موضع مساو للبنة ، أو على موضع أزيد منه بقليل ، ممّا لا فرق بينهما في نظر العرف أصلا .
فدعوى صدق عنوان السجود في الأول دون الثاني تحكّم صرف ، نعم قد تكون الزيادة كثيرة جدّاً بحيث لا يصدق عنوان السجود عند أهل العرف أيضاً ، فلا بأس حينئذ في الرفع ، هذا كلّه ما تقتضيه القاعدة ، مع قطع النظر عن الأخبار الواردة في الباب .
وأمّا الأخبار ، فمنها : رواية معاوية بن عمّار، قال : «قال أبو عبدالله(عليه السلام) : «إذا وضعت جبهتك على نبكة فلا ترفعها، ولكن جرّها على الأرض»(2) . والنبكة بالنون والباء المفتوحتين واحدة النبك ، وهي أكمة محدودة الرأس ، وقيل : النباك التلال الصغار .
ودلالة الرواية على عدم جواز الرفع ، ووجوب الجرّ في المقام ، مبنية على أن تكون النبكة شاملة لما يرتفع عن مواضع غير الجبهة من محال السجود بأزيد من

(1) جواهر الكلام 10 : 159.
(2) الكافي 3 : 333 ح3; التهذيب 2 : 302 ح1221; الإستبصار 1: 330 ح1238; الوسائل 6 : 353 . أبواب السجود ب8 ح1 .

(الصفحة270)

لبنة ، فيصير المعنى إنّه لو وضعت الجبهة على النبكة المرتفعة التي تمنع عن تحقق السجدة الشرعية ، أو غير المرتفعة التي تشقّ السجدة عليها لكون رأسها محدوداً ، فلا يجوز الرفع ، بل يجب الجرّ على الأرض .
هذا ، وقد يناقش في سند الرواية باشتماله على محمّد بن إسماعيل ، وهو مجهول ، ولكنّ الظاهر أنّه هو محمّد بن إسماعيل النيسابوري ، الراوي عن الفضل بن شاذان ، وهو وإن لم يكن مصرّحاً بالتوثيق ، إلاّ أنّ إجازة الفضل له نقل كتابه ربما يستفاد منها وثاقته .
ومنها : رواية الحسين بن حمّاد عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : قلت له : أضع وجهي للسجود فيقع وجهي على حجر أو على موضع مرتفع أحوّل وجهي إلى مكان مستو؟ فقال : «نعم جرّ وجهك على الأرض من غير أن ترفعه»(1) .
ومنها : رواية عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر(عليهما السلام) قال : سألته عن الرجل يسجد على الحصى فلا يمكّن جبهته من الأرض؟ قال : «يحرّك جبهته حتّى يتمكّن، فينحي الحصى عن جبهته ولا يرفع رأسه»(2) .
ومنها:رواية الحسين بن حمّادأيضاًقال:قلت لأبي عبدالله(عليه السلام): أسجدفتقع جبهتي على الموضع المرتفع؟ فقال : «إرفع رأسك ثم ضعه»(3) . وهذه الرواية الدالة على جواز الرفع معارضة ـ مضافاً إلى سائر الروايات ـ مع الرواية الاُخرى لهذا الراوي، وحينئذ يتحقق الاضطراب في روايته ، ولا يعلم أنّه روى جواز الرفع ، خصوصاً مع كون الراوي عنه في الرواية المتقدمة هو ابن مسكان الذي هو من أجلاّء الروات وثقاتهم ، فلا يجوز الاعتماد على هذه الرواية في رفع اليد عن مقتضى القاعدة .

(1) التهذيب 2 : 312 ح1269 ; الاستبصار1 : 330 ح1239 ; الوسائل 6 : 353 . أبواب السجود ب8 ح2.
(2) التهذيب 2: 312 ح1270; الإستبصار 1: 331 ح1240; قرب الإسناد: 173 ح765; الوسائل 6: 354. أبواب السجود ب8 ح3 .
(3) التهذيب 2: 302 ح1219; الإستبصار 1: 330 ح1237; الوسائل 6: 354. أبواب السجود ب8 ح4.

(الصفحة271)

وحينئذ فلا يبعد القول بعدم جواز الرفع ، وأولى من المقام في الحكم بعدم الجواز ، ما إذا وقعت جبهته على الموضع النجس أو على غير الأرض ونباتها ، فإنّ الظاهر في جميع تلك الموارد وجوب الجرّ وعدم جواز الرفع ، والله أعلم .

المسألة الثانية : رفع الرأس من موضع السجود قهراً


إذا وضع الجبهة على الأرض ثم ارتفعت عنها قهراً ، فإن تمكّن من حفظها عن الوقوع ثانياً ، فالواجب عليه أن يجلس وتحسب تلك السجدة سجدة واحدة، فيأتي بسجدة اُخرى إن كانت هي الأولى ، وإن لم يتمكّن من حفظها كذلك بل عادت إلى الأرض كارتفاعها قهراً ، فالمجموع سجدة واحدة، فيأتي بالذكر لو لم يأت به .

المسألة الثالثة : وضع الجبهة على ما لا يصحّ السجود عليه باعتقاد أنّه وقع على ما يصحّ

لو وضع جبهته على ما لا يصحّ السجود عليه ، باعتقاد أنّه وقع على ما يصح ، وانكشف الحال بعد الجلوس ورفع الرأس ، فالظاهر عدم بطلان الصلاة ، لحديث لاتعاد(1) الذي يدلّ على عدم وجوب إعادة الصلاة إلاّ من ناحية الاُمور الخمسة المذكورة فيه ، والسجود وإن كان من جملتها  ، إلاّ أنّ اقتضاءه لوجوب الإعادة إنما هو في صورة الإخلال به ، والمفروض هنا خلاف ذلك ، لعدم تحقق الاخلال به ،

(1) الفقيه 1 : 181 ح857 ; التهذيب 2: 152 ح597; الوسائل 4 : 312 . أبواب القبلة ب9 ح1 .

(الصفحة272)

لأنّ مرجع ذلك إلى أنّ اعتبار كون ما يسجد عليه من الأرض أو نباتها إنما هو في صورة الالتفات والتوجه .
هذا ، ويمكن أن يقال : بأنّ الاخلال بالسجدة كما يتحقق بترك هيئتها المعتبرة في الصلاة ، كذلك يتحقق بالاخلال بما يعتبر فيه ، والاخلال بالسجدة الواحدة وإن لم يكن موجباً لبطلان الصلاة ووجوب إعادتها كما عرفت ، إلاّ أنّ ذلك إنما هو في صورة النسيان لا العمد كما في المقام .
وقد يستدل لحكم المسألة بما رواه الطبرسي في الاحتجاج عن محمّد بن عبدالله بن جعفر الحميري، عن صاحب الزمان صلوات الله وسلامه عليه أنّه كتب إليه يسأله عن المصلّي يكون في صلاة الليل في ظلمة، فإذا سجد يغلط بالسجادة ويضع جبهته على مسح أو نطع، فإذا رفع رأسه وجد السجادة هل يعتدّ بهذه السجدة أم لا يعتدّ بها؟ فكتب إليه في الجواب : «ما لم يستو جالساً فلا شيء عليه في رفع رأسه لطلب الخمرة»(1) .
هذا ، ولا يخفى أنّ مورد الرواية هو ما إذا سجد على ما يعلم أنّه ليس بسجّادة ، فهو خلاف مفروض المقام ، والمسألة غير خالية عن الإشكال ، فلا يترك الاحتياط فيها بالإعادة .

المسألة الرابعة : لو لصقت التربة بالجبهة


قال السيد(قدس سره) في العروة فيما لو لصقت التربة بالجبهة ، بعد الحكم بأنّ الاحتياط يقتضي رفعها ما لفظه : بل الأقوى وجوب رفعها إذا توقّف صدق السجود على

(1) الاحتجاج للطبرسي 2 : 304 ـ 305 .

(الصفحة273)

الأرض أو نحوها عليه(1) .
أقول : لا يتوقّف صدق السجود على رفعها قط ، إذ ليس معنى السجود هو اتّصال الجبهة بجزء من الأرض; ولو لم يكن المصلّي على هيئة الساجد ، بل معناه هو اتصالها به مع كونه على هيئة السجود التي هي هيئة خاصّة ، ووضع مخصوص ، فإذا وضع جبهته المتّصلة بجزء من الأرض على الأرض أو ما عليها ، بحيث تحقّقت هيأة السجود ، يصدق حينئذ أنّه ساجد على الأرض .
نعم الأحوط رفع التربة ، خصوصاً بملاحظة الأخبار الكثيرة الواردة في مسح التراب أو الحصى عن الجبهة ، ولكن الظاهر أنّه لا يستفاد من شيء منها الوجوب ، كما لا يخفى على من راجعها(2) .

المسألة الخامسة : لو تعذّر وضع باطن الكفين

ذكر في العروة أيضاً بعد الحكم بأنّه يشترط في الكفّين وضع باطنهما مع الاختيار ، إنّه مع الضرورة يجزي الظاهر ، كما أنّه مع عدم إمكانه ، لكونه مقطوع الكفّ ، أو لغير ذلك ينتقل إلى الأقرب من الكفّ فالأقرب ، من الذراع ، والعضد(3) .
هذا ، ولا يخفى أنّ دعوى كفاية الظاهر عند الضرورة مبنية على أنّ انصراف وجوب السجدة على الكفّين إلى باطنهما إنما هو مع الامكان ، وأمّا مع التعذّر فلا ، لكن يقع الكلام في وجوب السجدة على باقي أجزاء اليد مع تعذّر الكفّين مطلقاً .

(1) العروة الوثقى1 : 520 مسألة 2 .
(2) راجع الوسائل 6 : 373 . أبواب السجود ب18 .
(3) العروة الوثقى1 : 521 مسألة 3 .

(الصفحة274)

ويمكن أن يكون الوجه فيه هو أنّ بعض الروايات الواردة في باب السجود يدلّ على وجوب السجدة على اليدين ، ومن المعلوم أنّ اليد مطلقة فيحمل على صورة الاضطرار وعدم القدرة على السجود على الكفّين ، لكن فيه: أنّ لازمه الاكتفاء بكلّ جزء من الأجزاء ، والتخيير بينها ، لا الترتيب كما ذكره ، مضافاً إلى أنّ قاعدة حمل المطلق على المقيد تقتضي حمل اليد على خصوص الكفين .

المسألة السادسة : لو نسي السجدة

لو نسي سجدة واحدة ، وتذكّر قبل الدخول في الركوع من الركعة التالية ، يجب عليه العود إليها ، ثم الإتيان بما يترتب عليه من قراءة أو تسبيح ، وأمّا إذا تذكّر بعد الدخول في ركوع الركعة التالية ، فلا يجب عليه العود ، بل لا يجوز ، لاستلزامه زيادة الركن ، بل تصحّ صلاته .
نعم، يجب عليه قضاؤها بعد الفراغ منها ، ويدلّ على ما ذكرنا مضافاً إلى الاجماع(1) ، صحيحة إسماعيل بن جابر عن أبي عبدالله(عليه السلام) في رجل نسي أن يسجد السجدة الثانية حتّى قام، فذكر وهو قائم أنّه لم يسجد، قال : «فليسجد ما لم يركع فإذا ركع فذكر بعد ركوعه أنّه لم يسجد فليمض على صلاته حتّى يسلّم ثم يسجدها فإنّها قضاء»(2) .
ورواية عمّار عن أبي عبدالله(عليه السلام) في حديث أنّه سأله عن رجل نسي سجدة فذكرها بعدما قام وركع؟ قال : «يمضي في صلاته ولا يسجد حتى يسلّم فإذا سلّم

(1) المقنعة: 147; الغنية: 113; المهذّب 1: 156; المراسم : 89 ; الوسيلة: 100; الكافي في الفقه: 119; النهاية: 88 ; السرائر: 241; الجامع للشرائع: 83 ; تذكرة الفقهاء 3: 334; جواهر الكلام 12: 287.
(2) التهذيب 2 : 153 ح602 ; الاستبصار 1 : 359 ح 1361 ; الوسائل 6 : 364 . أبواب السجود ب14 ح1.

(الصفحة275)

سجد مثل ما فاته». قلت : فإن لم يذكر إلاّ بعد ذلك؟ قال : «يقضي ما فاته إذا ذكره»(1) .
ورواية أبي بصير قال : سألته عمّن نسي أن يسجد سجدة واحدة فذكرها وهو قائم؟ قال : «يسجدها إذا ذكرها ما لم يركع، فإن كان قد ركع فليمض على صلاته فإذا انصرف قضاها وليس عليه سهو»(2) . وغيرها ممّا يدلّ على ذلك .
هذا ، ويمكن أن يستفاد من بعض الروايات خلاف ما ذكرنا ، مثل رواية معلّى ابن خنيس(3) قال : «سألت أبا الحسن الماضي(عليه السلام) في الرجل ينسى السجدة من صلاته؟ قال : إذا ذكرها قبل ركوعه سجدها وبنى على صلاته ثم سجد سجدتي السهو بعد انصرافه وإن ذكرها بعد ركوعه أعاد الصلاة ونسيان السجدة في الاُوليين والأخيرتين سواء»(4) .
هذا ولكن الرواية محمولة على ما إذا نسي طبيعة السجدة، وهو يتحقق بنسيان السجدتين لا السجدة الواحدة فقط .
ولو نسي السجدتين معاً فلو تذكّر بعد الدخول في ركوع الركعة اللاحقة فلا إشكال في بطلان الصلاة ، لاستلزام جواز الرجوع والعود للتدارك ، زيادة الركن المبطلة مطلقاً .

(1) التهذيب 2: 153 ح604; الإستبصار 1: 359 ح1362; الوسائل 6: 364. أبواب السجود 14 ح2.
(2) الفقيه 1: 228 ح1008; التهذيب 2: 152 ح598; الإستبصار 1: 358 ح1360; الوسائل 6: 365. أبواب السجود ب14 ح4.
(3) المذكور في ترجمة المعلى ، هو أنّه كان من أصحاب الصادق(عليه السلام) ، وفي رواية الكشي أنّه قتل في زمانه(عليه السلام)وحينئذ فلا يمكن له النقل عن أبي الحسن(عليه السلام)  ، خصوصاً مع التعبير عنه بالماضي الدالّ على كونه بعد وفاته ، اللهم إلاّ أن يكون المعلّى الذي هو راوي الحديث رجلا آخر ، لكنّه يبعّده أنّه غير مذكور في التراجم أصلا ، فالحديث لا يخلو عن اضطراب السند ، خصوصاً مع كونه مرسلا بابهام الواسطة أيضاً (منه) .
(4) التهذيب 2 : 154 ح606; الاستبصار1 : 359 ح1363; الوسائل 6 : 366 . أبواب السجود ب14 ح5 .

(الصفحة276)

وأمّا لو تذكّر قبل الدخول في ركوعها  ، فالظاهر جواز العود بل وجوبه ، لعدم وجود مانع عن ذلك ، مضافاً إلى إمكان استفادة ذلك من الأخبار الواردة في السجدة الواحدة بطريق أولى ، لأنّ الأفعال المترتبة على السجدتين قد وقعت باطلة لنقصان الركن; وهذا بخلاف ما إذا نسي سجدة واحدة كما هو ظاهر ، هذا كلّه في غير الركعة الأخيرة .
وأمّا فيها فلا إشكال في وجوب الرجوع وتدارك السجدة الواحدة ، أو السجدتين ما لم يسلّم ، وكذا لا إشكال في بطلان الصلاة ، لو نسي السجدتين منها ، وتذكّر بعد السلام ، والإتيان بما يبطل الصلاة مطلقاً عمداً وسهواً ، كالحدث ، والاستدبار ، وكذا في صحة الصلاة ووجوب القضاء لو نسي سجدة واحدة ، وتذكّر بعدهما أو بعد السلام ، وقبل الإتيان بشيء من القواطع .
إنما الإشكال فيما لو نسي السجدتين وتذكّر بعد السلام ، وقبل فعل المنافي ، فذهب السيد(قدس سره) في العروة إلى البطلان(1) ، ولكن الظاهر الصحة ، ولزوم التدارك ، لأنّ الأفعال المترتّبة عليهما قد وقعت فاسدة ، ولأنّ الإخلال بهما معاً لا يجتمع مع صحة الصلاة ، وحينئذ فلا مانع من العود والتدارك ، ثم الإتيان بما يترتب عليهما من الأفعال .
وكون السلام محلّلا ومخرجاً للمصلّي عنها ، وموجباً لحلّية ما حرّمته تكبيرة الإحرام التي هي افتتاح للصلاة(2) ، لا يوجب المنع عن العود ، لأنّ هذا الحكم إنما هو فيما إذا وقع السلام صحيحاً لا مطلقاً ، وصحته متوقفة على وقوع السجدتين قبله ، فلا يمنع بوجوده الفاسد عن الإتيان بهما في محلّهما .
هذا ، مضافاً إلى أنّ السلام لا يكون من الصلاة حقيقة ، لأنّ معناها إنما هو

(1) العروة الوثقى1 : 525 مسألة 16 .
(2) الوسائل 6: 415. أبواب التسليم ب 1 .

(الصفحة277)

الخضوع والخشوع في مقابل المعبود ، ومن المعلوم أنّ التسليم على الأنفس وعلى العباد الصالحين وعلى المأمومين مثلا خارج عن حقيقة الخضوع ، بل حقيقة التسليم كما في بعض الأخبار هو إذن الإمام للمأمومين في الخروج عن الصلاة ، وحينئذ فيبعد أن يكون مع ذلك موجباً لعدم جواز العود ، مع أنّ التشهّد الذي هو من أجزائها حقيقة ، لا يكون مانعاً عنه ، كما في التشهد في الركعة الثانية ، فالظاهر في المقام عدم البطلان ووجوب التدارك .

المسألة السابعة : جلسة الاستراحة

يستحبّ الجلوس بعد السجدة الثانية من الركعة الأولى والثالثة مع الطمأنينة ، ويسمّى ذلك بجلسة الاستراحة ، والقول بالاستحباب هو المشهور بين الأصحاب(1) ، وحكي عن السيد المرتضى(قدس سره) في بعض كتبه ، القول بوجوبها ، محتجّاً بالاجماع ، والاحتياط(2) ، ويلوح ذلك من كلام غير واحد من قدماء الأصحاب(3)وعن كاشف اللثام ـ من المتأخّرين ـ الميل إليه ، وحكي عن الحدائق تقويته(4) .
والمسألة بين العامة أيضاً كانت ذات قولين(5) ، والأخبار الواردة في هذا الباب كثيرة ، ولابد من نقلها ليظهر مفادها فنقول :

(1) المبسوط 1: 113; المهذّب 1: 98; السرائر 1: 227; المعتبر 2: 215; مستند الشيعة 5: 295; جواهر الكلام 10: 182; الحدائق 8 : 302 .
(2) الانتصار : 150; المسائل الناصريّات : 223 .
(3) المقنعة: 106; المراسم: 71; الغنية : 79; الوسيلة: 93; الخلاف 1 : 360 مسألة 117.
(4) كشف اللثام 4: 103; الحدائق 8 : 302 .
(5) راجع المجموع 3: 443; المغني لابن قدامة 1: 603; الشرح الكبير 1: 605; تذكرة الفقهاء 3: 199 مسألة 271.

(الصفحة278)

منها : ما رواه عبدالحميد بن عوّاض عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : رأيته إذا رفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الأولى جلس حتّى يطمئنّ ثم يقوم»(1) . ومن المعلوم أنّ هذه حكاية فعل ، وهو أعمّ من الوجوب .
ومنها : ما رواه أبو بصير قال : قال أبو عبدالله(عليه السلام) : «إذا رفعت رأسك في السجدة الثانية من الركعة الأولى حين تريد أن تقوم فاستو جالساً ثم قم»(2) . وظاهرها باعتبار الأمر بالاستواء جالساً هو الوجوب .
ومثلها ما رواه زيد النرسي في كتابه قال : سمعت أبا الحسن(عليه السلام) يقول : «إذا رفعت رأسك من آخر سجدتك في الصلاة قبل أن تقوم فاجلس جلسة ـ إلى أن قال ـ : ولا تطيش من سجودك مبادراً إلى القيام، كما يطيش هؤلاء الأقشاب في صلاتهم»(3) .
ومنها : ما رواه أصبغ بن نباتة قال : كان أمير المؤمنين(عليه السلام) إذا رفع رأسه من السجود قعد حتّى يطمئنّ ثم يقوم، فقيل له : يا أمير المؤمنين كان من قبلك أبو بكر وعمر إذا رفعوا رؤوسهم من السجود نهضوا على صدور أقدامهم كما تنهض الإبل . فقال أمير المؤمنين(عليه السلام) : «إنما يفعل ذلك أهل الجفا من الناس، إنّ هذا من توقير الصلاة»(4) . هذا ، والتعليل يناسب الاستحباب كما هو غير خفيّ .
ومنها : ما رواه الشيخ بإسناده عن زرارة قال : رأيت أبا جعفر وأبا عبدالله(عليهما السلام) إذا رفعا رؤوسهما من السجدة الثانية نهضا ولم يجلسا(5) . وهذه الرواية نصّ في جواز الترك وعدم الوجوب ، فيرفع اليد بسببها عن ظهور أكثر الأخبار المتقدمة

(1) التهذيب 2 : 82 ح302 ; الاستبصار1 : 328 ح1228; الوسائل 6 : 346 . أبواب السجود ب5 ح1.
(2) التهذيب 2: 82 ح303; الإستبصار 1: 328 ح1229; الوسائل 6: 346. أبواب السجود ب5 ح3.
(3) أصل زيد النرسي : 53; البحار 82 : 184 ح10; مستدرك الوسائل 4: 456. أبواب السجود ب5 ح2.
(4) التهذيب 2 : 314 ح1277; الوسائل 6 : 347. أبواب السجود ب5 ح5.
(5) التهذيب 2: 83 ح305، الإستبصار 1: 328 ح1231، الوسائل 6: 346. أبواب السجود ب5 ح2.

(الصفحة279)

في الوجوب ، مضافاً إلى أنّ كتاب زيد النرسي ممّا لا يجوز الاعتماد عليه ، لأنّه من الكتب التي ظهرت في القرون الأخيرة ولم يعلم صحة انتسابه إلى مؤلّفه .
ومنها : ما رواه الشيخ بإسناده عن عليّ بن الحكم عن رحيم قال : قلت لأبي الحسن الرضا(عليه السلام)  : جعلت فداك أراك إذا صلّيت فرفعت رأسك من السجود في الركعة الأولى والثالثة فتستوي جالساً ثم تقوم، فنصنع كما تصنع؟ فقال : «لاتنظروا إلى ما أصنع أنا، إصنعوا ما تؤمرون»(1) .
وقد يحمل هذا الخبر بملاحظة ذيله على التقية ، ولكن لا وجه له بعدما عرفت من كون المسألة بين العامة من الصحابة والتابعين اختلافية ، خصوصاً بعد حكايتهم عن النبي(صلى الله عليه وآله) إنّه كان إذا رفع رأسه من السجدة الأخيرة في الركعة الأولى استوى قاعداً ثم قام، وقوله(عليه السلام)  : «إصنعوا ما تؤمرون» يمكن أن يكون الوجه فيه كون الراوي من زمرة العوام ، لعدم ثبوت رواية له في أبواب الفقه ، عدا هذه الرواية ، كما يظهر بملاحظة الأسانيد .
والظاهر باعتبار نقل عليّ بن الحكم عنه ، هو كونه من أهل الكوفة التي كان الشائع فيها في تلك الأعصار هي فتاوى أبي حنيفة ، ومن الواضح أنّ الرجل العامّي يعمل غالباً على طبق ما هو المتعارف بين الناس من الفتاوى ، فأمره(عليه السلام)بمتابعة ما يؤمر به ، إنما هو بملاحظة أنّه لم يشأ الإمام(عليه السلام) أن يترك الرجل سيرته المستمرّة ، ولا يلزم منه اغراء بالجهل  ، لعدم كون ذلك واجباً  ، فالرواية ربما يستفاد منها الاستحباب بملاحظة الذيل .
وبالجملة : فسؤال الراوي في هذه الرواية يكشف عن كون الجلوس بعد السجدتين أمراً غير معهود عند من يحشر معهم من أهل بلده ، ولكن الظاهر عدم ثبوت السيرة المستمرّة على الترك ، كيف وقد ذهب جمع من الصحابة على ما حكى

(1) التهذيب 2 : 82 ح304; الاستبصار1 : 328 ح1230; الوسائل 6 : 347 . أبواب السجود ب5 ح6 .

(الصفحة280)

عنهم في كتاب الخلاف(1) إلى الاستحباب .
كما أنّ الظاهر أنّ ما حكاه مالك بن الحويرث من فعل النبي(صلى الله عليه وآله) (2) ، وأنّه كان إذا رفع رأسه من السجدة الأخيرة في الركعة الأولى استوى قاعداً ثم قام لم يكن على سبيل الاستمرار ، وإلاّ لاستمرّ العمل من المسلمين عليه  . وقد عرفت أنّ المحكيّ عن الشيخين في رواية الأصبغ هو أنّهم إذا رفعوا رؤوسهم من السجود نهضوا على صدور أقدامهم ولم يجلسوا .
وكيف كان، فالمسألة كانت مورداً لاختلاف المسلمين ، ولذا صار الرواة بصدد حكاية قول الإمام(عليه السلام) أو فعله ، وقد عرفت أنّ رواية زرارة نصّ في جواز الترك ، ويؤيد الاستحباب أنّه لو كانت جلسة الاستراحة واجبة ، لكان اللازم أن يكون وجوبها ضرورياً ، لعموم الابتلاء بها ، فلا يبعد القول بالاستحباب ، وإن كان الأحوط بملاحظة أهمّية حال الصلاة ، وانّها إن قبلت قبل ما سواها وإن ردّت ردَّ ما سواها ، هو الإتيان  ، فلا ينبغي الترك .

المسألة الثامنة : استحباب إرغام الأنف

يستحبّ إرغام الأنف حال السجود كما هو المشهور(3) ، والمحكيّ عن الصدوق في الفقيه القول بالوجوب(4) ، ويمكن أن يستدلّ له بما رواه الشيخ عن

(1) الخلاف1 : 361 مسألة 119 .
(2) صحيح البخاري 1: 218 ب127 ح802 وص224 ب142 ، ح823; سنن النسائي 2: 249 ح1148.
(3) المقنعة: 105; الخلاف 1: 355; المراسم: 71; الوسيلة: 94; مستند الشيعة 5: 289; جواهر الكلام 10: 174; كشف اللثام 4: 101.
(4) الفقيه 1: 205; الهداية: 137 .

<<التالي الفهرس السابق>>