في:  
                       
 
 
 

من حياة سماحته قائمة المؤلفات الأحکام و الفتاوى الأسئلة العقائدية نداءات سماحته  الصور  لقاءات و زيارات
المکتبة الفقهية المختصة الصفحة الخاصة المواقع التابعة أخبار المكاتب وعناوينها الدروس المناسبات القرآن والمناجات

<<التالي الفهرس السابق>>



(الصفحة281)

أحمد بن محمد، عن محمد بن يحيى، عن عمّار، عن جعفر، عن أبيه قال : قال عليّ(عليه السلام) : «لا تجزي صلاة لا يصيب الأنف ما يصيب الجبين»(1) .
وبما رواه الكليني عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبدالله بن المغيرة، عمّن سمع أبا عبدالله(عليه السلام) يقول : «لا صلاة لمن لم يصب أنفه ما يصيب جبينه»(2) . هذا ولكن الثانية مرسلة ، والأولى يكون الراوي فيها عامياً على الظاهر ، فلايصحّ الاعتماد على روايته .
ويدلّ على الاستحباب صحيحة زرارة قال : قال أبو جعفر(عليه السلام)  : قال رسول الله(صلى الله عليه وآله)  : «السجود على سبعة أعظم : الجبهة، واليدين، والركبتين، والابهامين من الرجلين، وترغم بأنفك إرغاماً، أمّا الفرض فهذه السبعة، وأمّا الإرغام بالأنف فسنّة من النبي(صلى الله عليه وآله) »(3) .
وما رواه الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أبي عبدالله البرقي، عن محمد بن مصادف(4) قال : سمعت أبا عبدالله(عليه السلام) يقول : «إنما السجود على الجبهة وليس على الأنف سجود»(5) . فإنّ الظاهر أنّ المراد بالسنة في الصحيحة ما يقابل الوجوب ، كما تدلّ عليه الرواية الثانية النافية للسجود على الأنف .

(1) التهذيب 2 : 298 ح1202; الاستبصار1 : 327 ح1223; الوسائل 6 : 344 . أبواب السجود ب4 ح4 .
(2) الكافي 3: 333 ح2، الوسائل 6: 345. أبواب السجود ب4 ح7.
(3) التهذيب 2 : 299 ح1204 ; الاستبصار1 : 327 ح1224; الخصال: 349; الوسائل 6 : 343 . أبواب السجود ب4 ح2.
(4) الظاهر أنّ الصواب محمد بن مضارب ، فإنّه هو الذي يروي عن الصادق(عليه السلام)، وأمّا محمد بن مصادف فلم يوجد في الرواة ، نعم يوجد فيهم مصادف الذي كان مولى الصادق(عليه السلام) ، وقد روي عنه كثيراً . هذا ، ولكن سند الرواية غير خال عن الإرسال ظاهراً ، لأنّ أبا عبدالله البرقي من الطبقة السابعة ، وأصحاب الصادق(عليه السلام)من الطبقة الخامسة ، فكان بينهما واسطة من الطبقة السادسة (منه) .
(5) التهذيب 2 : 298 ح 1200; الإستبصار 1 : 326 ح1220; الوسائل 6 : 343 . أبواب السجود ب4 ح1 .

(الصفحة282)

وتوهّم إنّه لا منافاة بينهما ، بتقريب أنّ ظاهر قوله : «وترغم بأنفك إرغاماً» هو الوجوب ، وعليه فالمراد من السنة هي ما ثبت وجوبها بقول النبي(صلى الله عليه وآله)  ، أو فعله ، مقابل الفرض الذي هو عبارة عمّا ثبت وجوبه بالكتاب ، وأمّا قوله : «ليس على الأنف سجود» فظاهره نفي وجوب السجود على الأنف ، وهو لا ينافي كون الارغام واجباً مستقلاً غير مرتبط بالسجود .
مندفع بأنّ ظاهر الصحيحة أنّ الفرق بين الأنف وسائر الأعظم السبعة هو شيء واحد ، وهو كونها فرضاً وهو سنّة ، ولو كان المراد من السنة هو ما ذكر ، يلزم ثبوت الفرق بينهما من وجهين كما هو واضح ، فالظاهر أنّ المراد بالسنة هو الاستحباب مقابل الوجوب ، ويدلّ عليه مضافاً إلى ما عرفت أنّه لو كان الارغام واجباً في الصلاة ، أو في السجود ، لكان اللازم مع عموم الابتلاء به لكلّ أحد ، أن يكون وجوبه ضرورياً فضلا عن أن تكون السيرة على خلافه ، والشهرة الفتوائية أيضاً قائمة على الخلاف ، فالأقوى ما ذهب إليه المشهور .
ثم إنّ ظاهر الأخبار يقتضي حصول الاستحباب بإصابة أيّ جزء من الأنف ، ولكن المحكيّ عن المرتضى في جمل العلم والعمل; اعتبار إصابة الطرف الأعلى الذي يلي الحاجبين(1) ، وعن ابن الجنيد أنّه قال : يماسّ الأرض بطرف الأنف وخديه(2) ، وقد عرفت أنّ الظاهر هو الإطلاق .
ثم إنّ الارغام عبارة عن إلصاق الأنف بالرغام وهو التراب ، فمقتضى الجمود على هذا الظهور ، أن يكون المعتبر في السنّة هو وضع الأنف على التراب فقط ، ولكن الظاهر كفاية مطلق الأرض ، بل مطلق ما يصح السجود عليه ، كما يدلّ على

(1) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى) 3 : 32 .
(2) الحدائق 8 : 297 .

(الصفحة283)

ذلك ما ورد في مرسلة ابن المغيرة ورواية عمّار المتقدمتين(1) ، ممّا ظاهره كفاية ما يكفي في وضع الجبهة عليه ، والتعبير بالارغام إنما هو بملاحظة أنّ الغالب فيما يسجد عليه هو التراب كما لا يخفى .
وحينئذ فيظهر أنّ السجود على الأنف والارغام به ليسا أمرين ، خلافاً لما حكي عن بعض من التغاير بينهما(2) ، نظراً إلى اعتبار الوضع على التراب في تحقق الارغام ، ولو كان سجوداً لكان يكفي فيه كلّ ما يصحّ السجود عليه فتدبّر .
ثم إنّ العامة أيضاً اختلفوا في وجوب الارغام وعدمه(3) ، ولكنّ الظاهر أنّ الوجه في ذلك هو أنّ الواجب عندهم هي السجدة على الوجه لا الجبهة ، فوقع الاختلاف بينهم في أنّ الواجب من السجدة على الوجه هي السجدة على الجبهة ، أو على الأنف ، أو على كليهما معاً ، أو أنّه يتخيّر المصلّي بينهما ، وأمّا النزاع بين الإمامية ، فهو بعد الفراغ عن وجوب السجدة على الجبهة تعييناً كما هو واضح .

(1) الوسائل 6: 344 ـ 345. أبواب السجود ب4 ح4 و 7 .
(2) كتاب الأربعين للشيخ البهائي(رحمه الله): 167.
(3) المجموع 3: 425; المغني لابن قدامة 1: 592; الشرح الكبير 1: 592; تذكرة الفقهاء 3: 188.

(الصفحة284)





(الصفحة285)







السابع من أفعال الصلاة : التشهّد



لا إشكال ولا خلاف في استمرار عمل النبي(صلى الله عليه وآله) والصحابة والتابعين على الإتيان بالتشهد في كل ثنائية مرّة ، وفي كلّ ثلاثية ورباعية مرتين(1) ، ومع ذلك فقد وقع الخلاف في وجوبه بين المسلمين ، فذهب علمائنا أجمع إلى وجوبه في الركعة الأخيرة من كلّ صلاة ، وفي الركعة الثانية من الثلاثية والرباعية ، ووافقنا على ذلك الليث بن سعد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وداود .
ولكن المحكيّ عن الشافعي ، ومالك ، وأبي حنيفة ، أنّ التشهد الأول سنة ، كما أنّ المحكيّ عن الأخيرين والثوري ، استحباب التشهّد الأخير أيضاً ، إلاّ أنّ أبا حنيفة يقول : الجلوس في الثاني قدر التشهد واجب ، وأمّا الشافعي فيقول بوجوب التشهد الأخير، وهو الذي يتعقّبه السلام ، وبه قال عمر ، وابنه ، وأبو مسعود ، والحسن البصري ، وأحمد(2) .

(1) سنن البيهقي 2: 142; صحيح البخاري 1: 225 ب145 ، ح828; سنن النسائي 2: 253 ح1159.
(2) الخلاف 1: 364 مسألة 121 وص367 مسألة 126; الإنتصار: 151; المعتبر 2: 221; تذكرة الفقهاء 3: 227; المجموع 3: 449 و450 ـ 462; المغني لابن قدامة 1: 606 و613; الشرح الكبير 1: 634.

(الصفحة286)

والدليل على ما ذكرنا من وجوبه مطلقاً ـ مضافاً إلى استمرار عمل النبي(صلى الله عليه وآله) والأئمة(عليهم السلام) ـ الأخبار المأثورة عنهم التي هي أكثر من أن تحصى(1) ، كما أنّ الجلوس بقدر التشهّد أيضاً كذلك ، إلاّ أنّه حيث إنّ التشهّد في نظر المتشرعة كأنّه عبارة عن مجموع الجلوس ، والذكر الذي يقال في حاله ، فلا يعدّون الجلوس واجباً مستقلاً ، مع أنّ التشهد ليس إلاّ الشهادتين والجلوس واجب آخر .

كيفيّة التشهّد
وأمّا كيفية التشهد فأدنى التشهد عند الإمامية عبارة عن الشهادتين ، والصلاة على النبي وآله(2) ، وقال الشافعي : يجب خمس كلمات أن يقول : التحيّات لله ، السلام عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمّداً رسول الله(3) .
ويدفع وجوب التحيّات مضافاً إلى الأصل رواية محمّد بن مسلم عن الصادق(عليه السلام) قال : قلت : قول العبد: التحيّات لله والصلوات الطيّبات لله؟ قال : «هذا اللطف من الدعاء يلطف العبد ربّه»(4) . وأيضاً لو وجب لكان متواتراً مع عموم البلوى ، وأمّا التسليم فهو مخرج عن الصلاة ، فلا يجوز تقديمه على التشهد .
هذا ، وأمّا أفضل التشهد وأكمله فقد وقع الاختلاف فيه أيضاً بين أرباب المذاهب ، والأفضل عند الإمامية هو ما رواه أبو بصير عن أبي عبدالله(عليه السلام) من الرواية الطويلة المذكورة في الوسائل في الباب الثالث من أبواب التشهد(5) فراجع ،

(1) الوسائل 6 : 393 ـ 398 . أبواب التشهّد ب3 و 4 .
(2) الخلاف1 : 372 مسألة 131; تذكرة الفقهاء 3 : 230 مسألة 292; المعتبر 2: 222; المنتهى 1 : 293 .
(3) الاُمّ 1: 118; المجموع 3: 458 ـ 459; تذكرة الفقهاء 3: 230 مسألة 292 .
(4) التهذيب 2 : 101 ح379; الاستبصار1 : 342 ح1289; الوسائل 6 : 397 . أبواب التشهد ب4 ح4 .
(5) الوسائل 6: 393. أبواب التشهد ب3 ح2.

(الصفحة287)

وأمّا الأفضل عند سائر المذاهب فيعلم بمراجعة كتاب الخلاف وغيره(1) .
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه لا إشكال في وجوب الشهادتين بعد الركعة الثانية والأخيرة(2) ، وأمّا خبر حبيب الخثعمي عن أبي جعفر(عليه السلام) أنّه يقول : «إذا جلس الرجل للتشهد فحمد الله أجزأه»(3) . فالظاهر أنّ المراد به هو كفاية حمد الله تعالى في العمل بالوظيفة الاستحبابية ، في مقابل الأدعية والتحيّات الطويلة ، وإلاّ فمن الواضح باعتبار اطلاق التشهد على الأذكار التي تقرأ بعد الركعة الثانية والأخيرة من زمن النبي(صلى الله عليه وآله) إلى يومنا هذا ، أنّ المعتبر هو ما يصدق عليه هذا العنوان وهو الشهادتان : الشهادة بالوحدانية والشهادة بالرسالة .
ولا يعارض ما ذكرنا من وجوب الشهادتين في الركعة الثانية ، ما عن الشيخ في الصحيح عن زرارة قال : قلت لأبي جعفر(عليه السلام)  : ما يجزي من القول في التشهد في الركعتين الأوّلتين؟ قال : «أن تقول : أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له». قلت : فما يجزي من تشهد الركعتين الأخيرتين؟ فقال : «الشهادتان»(4) . وذلك لكون الرواية في غاية الشذوذ ، بحيث لم ينقل عن أحد من الأصحاب العمل على طبقها والفتوى بمضمونها .
نعم، حكى في الذكرى عن الجعفي في الفاخر ، أنّه عمل على طبق الرواية . وذهب إلى اجتزاء شهادة واحدة في التشهد الأول(5) ، ولكن هذا لا يخرجها عن الشذوذ ، خصوصاً بعد كون العامل بها بعيداً عن المجامع العلميّة ، لأنّه كان مقيماً

(1) الخلاف 1: 368; تذكرة الفقهاء 4: 237; المعتبر 2: 223 ـ 224.
(2) الخلاف 1: 372 مسألة 131; الغنية: 80 ; تذكرة الفقهاء 3: 230 مسألة 292.
(3) التهذيب 2 : 101 ح376; الاستبصار1 : 341 ح1286; الوسائل 6 : 399 . أبواب التشهد ب5 ح2 .
(4) التهذيب 2 : 100 ح374; الاستبصار1 : 341 ح1284; الوسائل 6 : 396 . أبواب التشهد ب4 ح1 .
(5) الذكرى 3: 420.

(الصفحة288)

بمصر ، وصنف الفاخر فيه أيضاً .
وبالجملة : فلا إشكال في وجوب الشهادتين في الركعة الثانية أيضاً كالأخيرة . وحينئذ يقع الكلام في كيفية التشهد ، وأنّه هل يجزي مطلق الشهادة بالوحدانية والشهادة بالرسالة بأيّة صورة وقعتا ، أو يلزم أن تكونا على النحو المتعارف ، وهي الشهادة بالوحدانية ، مع زيادة «وحده لا شريك له» الموجبة لتأكّدها ، والشهادة بالرسالة المشتملة على الشهادة بالعبودية أيضاً ، بأن يقول : أشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله؟
والتحقيق أن يقال : إنّ إضافة «وحده لا شريك له» لا مدخل لها في تحقق الشهادة بالوحدانية ، ضرورة أنّ هذه الزيادة لا توجب إلاّ تأكّد تلك الشهادة ، كما أنّ إضافة «عبده» في الشهادة بالرسالة لا مدخل لها فيها أصلا ، ولا يوجب تأكيداً أيضاً .
وحينئذ فما ورد في الأخبار الكثيرة من أنّه يجزي في التشهد الشهادتان ، أو أنّه إذا فرغ الرجل من الشهادتين فقد مضت صلاته(1) ، لا يدلّ على أزيد من الشهادة بالوحدانية ، والشهادة بالرسالة ، بأيّ نحو تحقّقتا ، ويدلّ على الاكتفاء بذلك خبر الحسن بن الجهم قال : سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن رجل صلّى الظهر أو العصر فأحدث حين جلس في الرابعة؟ قال : «إن كان قال : أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله(صلى الله عليه وآله) فلا يعيد، وإن كان لم يتشهد قبل أن يحدث فليعد»(2) .
هذا ، ولكن يمكن أن يقال بانصراف الشهادتين الواردتين في تلك الأخبار إلى النحو المتعارف بين الناس في مقام العمل ، ورواية الحسن لا تنافي ذلك ، لأنّها

(1) الوسائل 6: 397 و 398. أبواب التشهد ب4 ح2 و 6 .
(2) التهذيب 2 : 354 ح1467 وج1 : 205 ح596; الاستبصار1 : 401 ح1531; الوسائل 7 : 234 . أبواب قواطع الصلاة ب1 ح6 .

(الصفحة289)

مسوقة لبيان حكم آخر ، وهو صحة الصلاة إذا وقع الحدث بعد التشهد ، وبطلانها إذا وقع قبله ، فلا يستفاد منها كفاية مجرّد الشهادة بالوحدانية ، والشهادة بالرسالة .
ويؤيد عدم الاجتزاء بذلك صحيحة محمّد بن مسلم قال : قلت لأبي عبدالله(عليه السلام)  : التشهد في الصلاة؟ قال : مرتين. قال : قلت : وكيف مرتين؟ قال : «إذا استويت جالساً فقل : أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، ثم تنصرف»(1) .
ولكن الرواية في غاية الاضطراب ، لأنّه لا يكون السؤال عن مجرد التشهد في الصلاة سؤالا تامّاً ، بل يحتاج إلى ضميمة ، فيحتمل أن يكون مقصوده السؤال عن أصل وجوب التشهد في الصلاة ، ويحتمل أن يكون المراد السؤال عن كيفية التشهد ، وإنّه هل تكفي شهادة واحدة ، أو أنّه تجب الشهادتان؟ كما أنّه يحتمل أن يكون غرضه السؤال عن وجوبه مرّة أو مرتين .
ولايخفى أنّ ظاهر كلمة مرتين الواردة في الجواب هو الدفعتان في مقابل دفعة واحدة ، فينطبق على السؤال على النحو الأخير ، ويبعد أن يكون المقصود بها الشهادتين في مقابل شهادة واحدة ، حتى ينطبق على السؤال على النحو الثاني .
ثم إنّ سؤاله ثانياً المشتمل على قوله : «وكيف مرتين» مضطرب أيضاً ، فإنّ الجمع بين كلمة مرتين وكلمة كيف ممّا لا وجه له ، إلاّ أن يكون غرضه أنّ التشهد الذي حكم بوجوبه مرتين ما كيفيته؟ فينطبق الجواب عليه بعد حمله على التشهد الأخير بقرينة قوله : «ثم تنصرف» .
وكيف كان، فالرواية مضطربة جدّاً ، والانصاف أنّ رفع اليد عن ظاهر الأخبار الدالة على الاجتزاء بمطلق الشهادتين مشكل ، خصوصاً بعدما عرفت من

(1) التهذيب 2 : 101 ح379; الاستبصار1 : 342 ح1289; الوسائل 6 : 397 . أبواب التشهد ب4 ح4 .

(الصفحة290)

عدم مدخلية الزيادتين في حقيقة الشهادة بالوحدانية ، والشهادة بالرسالة ، كما أنّ الفتوى بكفايتهما مطلقاً أيضاً كذلك ، فالأحوط الذي لا يجوز تركه هو مراعاة النحو المتعارف بين الناس في كيفية التشهد .
ويجب بعد الشهادتين الصلاة على النبي وآله ، والظاهر أنّه لا خلاف فيه ، بل حكي عن غير واحد دعوى الاجماع عليه(1) ، ولكن خالفنا في ذلك جمهور العامة ، فإنّ المحكيّ عن أبي حنيفة ومالك أنّهما استحبّا الصلاة على النبي(صلى الله عليه وآله)  ، ولكن ذهب الشافعي إلى وجوبه في خصوص التشهد الأخير(2)، هذا في الصلاة على النبي(صلى الله عليه وآله)  ، وأمّا الصلاة على آله فلم يقل بوجوبها من العامة إلاّ البويحي من أصحاب الشافعي ، وأحمد في إحدى الروايتين ، وقال الشافعي : إنّه يستحبّ(3) .
ويدلّ على ما ذكرنا ـ مضافاً إلى الإجماع والأخبار الواردة من طرق الإمامية(4) ـ ما ذكره في المعتبر ، من أنّهم رووا عن عائشة قالت : سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول : «لا تقبل صلاة إلاّ بطهور وبالصلاة عليّ» . . ورووه عن فضالة بن عبيد الأنصاري عن النبي(صلى الله عليه وآله) قال : «إذا صلّى أحدكم فليبدأ بتحميد ربّه عزّوجلّ والثناء عليه، ثم ليصلّ على النبي(صلى الله عليه وآله) »(5) ، وروى كعب بن عجرة قال : كان

(1) الغنية: 80 ; الخلاف1 : 373 مسألة 132; المسائل الناصريات: 228 ـ 229; تذكرة الفقهاء 3 : 232 مسألة 293; المنتهى 1 : 293; جامع المقاصد 2: 319; مستند الشيعة 5 : 329; جواهر الكلام 10: 253; المعتبر 2 : 226; كشف اللثام 4 : 119; الذكرى 3: 406 .
(2) المجموع 3: 465 و467; المغني لابن قدامة 1: 614; الشرح الكبير 1: 613 ـ 614; تذكرة الفقهاء 3: 232 مسألة 293.
(3) المجموع 3: 465; المغني لابن قدامة 1: 616; الشرح الكبير 1: 616; المعتبر 2: 227; تذكرة الفقهاء 3: 233 مسألة 294 .
(4) راجع الوسائل 6 : 407 أبواب التشهد ب10 .
(5) سنن البيهقي 2: 147.

(الصفحة291)

رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول في صلاته : «اللهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد كما صلّيت على إبراهيم إنّك حميدٌ مجيد»(1) ، وروى جابر الجعفي عن أبي جعفر، عن ابن مسعود الأنصاري قال : قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : «من صلّى صلاة ولم يصلّ فيها عليّ وعلى أهل بيتي لم تقبل منه»(2) .(3)
ويدلّ على وجوب الصلاة على النبي(صلى الله عليه وآله) الآية الشريفة الآمرة(4) بالصلاة عليه ، بضميمة الإجماع على عدم وجوب الصلاة عليه في غير حال الصلاة ، وعلى عدم وجوبها في حالها في غير التشهد أيضاً ، فالاجماع يكون مقيّداً للآية لا أنّه يوجب صرف الأمر الظاهر في الوجوب عن ظاهره ، والحمل على الاستحباب ، إذ لا وجه للحمل عليه مع عدم الدليل على جواز الترك في حال الصلاة أيضاً ، مضافاً إلى وجود الدليل على الوجوب كالإجماع ، والأخبار التي منها موثّقة عبدالملك بن عمرو الأحول عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : «التشهد في الركعتين الأوّلتين ألحمد لله أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، أللهم صلّ على محمّد وآل محمّد، وتقبّل شفاعته وارفع درجته»(5) . واشتمالها على ما قام الدليل على عدم وجوبه لا يضرّ بالاستدلال بها على الوجوب ، بالنسبة إلى ما لم يقم الدليل على عدم وجوبه كما هو واضح .
وبالجملة: فالإشكال في وجوب الصلاة على النبي وآله ممّا لا ينبغي أن يصغى إليه .
فتحصّل من جميع ما ذكرنا أنّ الواجب بعد الركعة الثانية والأخيرة ، هو

(1) سنن البيهقي 2 : 147; سنن أبي داود 1: 257 ح976 و 978.
(2) سنن الدارقطني 1 : 281 ح1328.
(3) المعتبر 2: 226 ـ 227 .
(4) الأحزاب : 56 .
(5) التهذيب 2 : 92 ح344 ، الوسائل 6 : 393. أبواب التشهد ب3 ح1 .

(الصفحة292)

الشهادتان والصلاة على النبي وآله ، وأمّا باقي الأذكار فهي مستحبة ، وأكملها ما رواه أبو بصير عن أبي عبدالله(عليه السلام)(1) ، وأمّا السلام على النبي(صلى الله عليه وآله)  ، وعلى الأنفس ، والعباد الصالحين ، كما في التحيّات المنقولة عن العامة(2) على اختلافها ، فلا يجوز أصلا ، لأنّه يوجب الخروج عن الصلاة كلّما تحقق فلا يجوز تقديمه على التشهد .

نسيان التشهّد

لو نسي التشهد الأول ، ولم يتذكّر إلاّ بعد القيام ، فإن كان ذلك قبل الركوع يجب عليه أن يرجع للتشهد ، فيجلس ويتشهد ثم يأتي بما يترتب عليه من الأفعال ولا شيء عليه ، وإن كان ذلك بعد الدخول في ركوع الركعة الثالثة ، فليس له أن يرجع بل يتمّ الصلاة ، وعليه قضاء التشهد وسجدتا السهو .
ويدلّ على ما ذكرنا مضافاً إلى تطابق الفتاوى عليه(3) ، الروايات الكثيرة الواردة في المسألة .
منها : رواية فضيل بن يسار عن أبي جعفر(عليه السلام) قال : في الرجل يصلّي الركعتين من المكتوبة ثم ينسى فيقوم قبل أن يجلس بينهما، قال : «فليجلس ما لم يركع وقد تمّت صلاته، وإن لم يذكر حتّى ركع فليمض في صلاته، فإذا سلّم سجد سجدتين وهو جالس»(4) .

(1) الوسائل 6 : 393. أبواب التشهد ب3 ح2 .
(2) راجع 2 : 286.
(3) الغنية: 113; المهذّب 1: 156; الخلاف 1 : 366 مسألة 124 وص452 مسألة 197; الكافي في الفقه: 149; السرائر 1: 257; تذكرة الفقهاء 3: 339; جواهر الكلام 11 : 284; كشف اللثام 4 : 433.
(4) الكافي 3 : 356 ح2; التهذيب 2 : 345 ح1431; الوسائل : 6/405 . أبواب التشهد ب9 ح1 .

(الصفحة293)

ومنها : رواية عليّ بن أبي حمزة البطائني الكوفي الواقفي قال : قال أبو عبدالله(عليه السلام) : «إذا قمت في الركعتين الأوّلتين ولم تتشهد فذكرت قبل أن تركع فاقعد فتشهد، وإن لم تذكر حتّى تركع فامض في صلاتك كما أنت، فإذا انصرفت سجدت سجدتين لا ركوع فيهما، ثم تشهد التشهد الذي فاتك»(1) .
ومنها : رواية محمّد بن عليّ الحلبي قال : سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن الرجل يسهو في الصلاة فينسى التشهد؟ قال : «يرجع فيتشهد»، قلت : أيسجد سجدتي السهو؟ فقال : لا ، ليس في هذا سجدتا السهو»(2) . ولكنّها محمولة بقرينة سائر الروايات على ما إذا تذكّر قبل الدخول في ركوع الركعة الثالثة .
ومنها : رواية الحلبي عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : «إذا قمت في الركعتين من الظهر أو غيرها فلم تتشهد فيهما، فذكرت ذلك في الركعة الثالثة قبل أن تركع فاجلس فتشهد وقم فأتمّ صلاتك، فإن لم تذكر حتّى تركع فامض في صلاتك حتى تفرغ، فإذا فرغت فاسجد سجدتي السهو بعد التسليم قبل أن تتكلّم»(3) .
ومنها : رواية ابن أبي يعفور قال : سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن الرجل يصلّي الركعتين من المكتوبة فلا يجلس فيهما حتى يركع؟ فقال : «يتمّ صلاته ثم يسلّم ويسجد سجدتي السهو وهو جالس قبل أن يتكلّم»(4) .
ومنها : رواية أبي بصير قال : سألته عن الرجل ينسى أن يتشهد؟ قال : «يسجد سجدتين يتشهد فيهما»(5) . هذا ، ولكنّها محمولة على ما إذا تذكّر ذلك بعد

(1) الكافي 3: 357 ح7; التهذيب 2 : 344 ح1430; الوسائل 8 : 244 . أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب26 ح2 .
(2) التهذيب 2 : 158 ح622; الاستبصار1 : 363 ح1376; الوسائل 6 : 406 . أبواب التشهد ب9 ح4 .
(3) الكافي 3: 357 ح8 ; التهذيب 2: 344 ح1429; الوسائل 6: 406. أبواب التشهد ب9 ح3.
(4) التهذيب 2 : 158 ح620 وج2 : 159 ح624; الاستبصار 1 : 363 ح1375; الوسائل 6 : 402 . أبواب التشهد ب7 ح4.
(5) التهذيب 2: 158 ح621; الوسائل 6: 403. أبواب التشهد ب7 ح6 .

(الصفحة294)

الدخول في الركوع . إلى غير ذلك من الأخبار(1) .
ثم إنّك عرفت أنّ الفتاوى متطابقة على وجوب قضاء التشهد ، والإتيان بسجدتي السهو معاً ، فيما لو تذكّر بعد الركوع ، مع أنّ الروايات المتقدمة خالية عن الدلالة على وجوب القضاء ، نعم يمكن أن يقال بدلالة رواية أبي بصير على ذلك ، بناءً على أن يكون المراد بقوله : «يتشهد فيهما» هو قضاء التشهد المنسي ، لا التشهد الذي هو جزء من سجدتي السهو .
ولكنّها بعد ذلك تخالف الفتاوى أيضاً ، من حيث أنّ مقتضى الرواية وجوب الإتيان بقضاء التشهد المنسي بعد السجدتين للسهو ، ومقتضى الفتاوى العكس ، وإنّه يجب أولاً بعد الفراغ من الصلاة قضاء التشهد ، ثم الإتيان بالسجدتين ، فالرواية مخالفة للفتاوى على أيّ تقدير .
ومن هنا يظهر الإشكال في دلالة رواية عليّ بن أبي حمزة المتقدمة على وجوب قضاء التشهد ، فاللازم أن يكون المراد بقوله : «ثم تشهد . . .» ، هو تشهد السجدتين ، غاية الأمر أنّه ينوي به التشهد الذي فاته ، وعليه فتكون أيضاً مخالفة للمشهور .
وكيف كان، فيستكشف من الفتاوى وجود نص معتبر مذكور في الجوامع الأول يّة ، دالّ على هذا الحكم ، غاية الأمر أنّه لم يضبط في الجوامع الثانوية التي بأيدينا ، والاستدلال على ذلك بإطلاق قوله(عليه السلام) في صحيحة ابن سنان : «إذا نسيت شيئاً من الصلاة ركوعاً أو سجوداً أو تكبيراً ثم ذكرت فاقض الذي فاتك سهواً»(2) وقوله(عليه السلام) في صحيحة حكم بن حكيم قال : سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن

(1) راجع الوسائل 6 : 401 الباب 7 .
(2) الفقيه 1: 228 ح1007; التهذيب 2 : 350 ح1450; الوسائل 8 : 238 . أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب23 ح7 وص244 ب26 ح1 .

(الصفحة295)

رجل ينسى من صلاته ركعة أو سجدة أو الشيء منها ثم يذكر بعد ذلك؟ قال : «يقضي ذلك بعينه»، فقلت : أيعيد الصلاة؟ فقال : «لا»(1). ممّا لا يتمّ بعد وضوح عدم إمكان الالتزام بهذا العموم ، خصوصاً بعد عدم إمكان الالتزام به في موردهما كما لايخفى ، هذا كلّه في التشهد الأول .
وأمّا لو نسي التشهد الأخير ، فيمكن أن يستفاد حكمه من بعض الروايات :
منها : رواية محمّد بن عليّ الحلبي المتقدمة الشاملة باطلاقها لما إذا نسي التشهد الأخير .
ومنها : إطلاق رواية أبي بصير المتقدمة .
ومنها : رواية محمّد بن مسلم عن أحدهما(عليهما السلام)، في الرجل يفرغ من صلاته وقد نسي التشهد حتى ينصرف فقال : «إن كان قريباً رجع إلى مكانه فتشهد وإلاّ طلب مكاناً نظيفاً فتشهد فيه» وقال : «إنما التشهد سنّة في الصلاة»(2) .
هذا ، والمراد من السنة هو ما ثبت وجوبه بالسنّة مقابل الفرض ، وهو ما ثبت وجوبه بالكتاب ، لا السنّة في مقابل الوجوب ، وذكره إنما هو بملاحظة أنّه حيث يكون التشهد سنّة ، فلا يلزم من الاخلال به سهواً بطلان الصلاة ، ويمكن أن يقال: بدلالة هذه الرواية على وجوب قضاء التشهد ، فيما إذا نسي التشهد الأول لإطلاقها من حيث نسيان التشهد .
ومنها : رواية عمّار عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : «إن نسي الرجل التشهد في الصلاة فذكر أنّه قال : بسم الله فقط فقد جازت صلاته، وإن لم يذكر شيئاً من التشهد أعاد الصلاة»(3) . ولكن هذه الرواية بمعناها الظاهر غير معمول بها ، فلا اعتبار بها ، وأمّا

(1) التهذيب 2 : 150 ح588; الوسائل 8 : 200 . أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب3 ح6 .
(2) التهذيب 2 : 157 ح617; الوسائل 6 : 401 . أبواب التشهد ب7 ح2.
(3) الإستبصار 1: 343 ح1293 وص379 ح1437; التهذيب 2: 192 ح758 ; الوسائل 6: 403. أبواب التشهد ب7 ح7 .

(الصفحة296)

الروايات المتقدمة فيستفاد من أكثرها الرجوع إلى التشهد ثم إعادة السلام ، إذ لا يصدق نسيانه إلاّ مع الإتيان بالسلام .
وحينئذ فمرجع ذلك إلى أنّ السلام لا يكون مفوّتاً لمحلّ التشهد ، ولا يكون كالركن ، حيث عرفت أنّه لا مجال للعود مع الدخول فيه ، فالأظهر وجوب الرجوع للتشهد ، ويظهر ذلك من الشيخ في المبسوط ، حيث قال : التشهد في الصلاة فرض واجب للأول والثاني في الثلاثية والرباعيات ، وفي كلّ ركعتين في باقي الصلوات ، فمن تركهما أو واحداً منهما متعمّداً فلا صلاة له ، ومن تركهما أو واحداً منهما ناسياً حتّى فرغ من الصلاة قضاهما بعد التسليم ، وأعاد التسليم بعد التشهد الأخير ، فإن ترك التشهد الأول قضاه، وليس عليه تسليم بعده(1) . انتهى .
والمراد بقوله : «قضاهما» ليس هو القضاء المصطلح ، حتّى لا يناسب مع إعادة التسليم بعد التشهد الأخير ، بل المراد به هو مجرّد الاتيان به ، لكنّه ينافي ذلك ما ذكره في موضع آخر من المبسوط حيث قال : ومن نسي التشهد الأخير حتّى يسلّم قضاه بعد التسليم أيّ وقت كان(2) . انتهى .
وحينئذ فمقتضى الاحتياط الإتيان بالتشهد ، لا بنية الأداء ، ولا القضاء ، ثم التسليم ، وإن كان يظهر من غيره كالسيّد في جمل العلم والعمل ، وابن البرّاج في شرحه ، وجوب الرجوع والإعادة(3) .

(1) المبسوط 1 : 115 .
(2) المبسوط 1 : 122 .
(3) جمل العلم والعمل (رسائل المرتضى) 3: 36; المهذّب 1: 156 .

(الصفحة297)







الثامن من أفعال الصلاة : التسليم

وفيه جهات من الكلام :


الجهة الأولى : التسليم في آخر الصلاة


لا إشكال في استمرار عمل المسلمين على التسليم في آخر الصلاة ، ولا فرق في ذلك بين الإمامية وغيرهم ، كما يستشعر بل يستظهر ذلك من الأخبار الكثيرة الواردة في الأبواب المتفرّقة ، كبعض الأخبار الواردة في حكم الشكّ في الركعتين الأخيرتين(1) ، وفي نسيان التشهد(2) كما عرفت ، وفي قضاء الصلوات الفائتة(3) ، وفي تقديم سجود السهو عليه أو تأخيره عنه(4) ،وفي غير ذلك من الموارد الكثيرة

(1 و 2) راجع الوسائل 8 : 212. أبواب الخلل . ب8 ح1 و3 وص245 ب26 ح4 و5; وج6 ص402 ـ 403، 404. أبواب التشهد ب7 ح3 و4 و 8 .
(3) الوسائل 4: 290. أبواب المواقيت ب63 ح1.
(4) راجع الوسائل 8 : 207 أبواب الخلل ب5 .

(الصفحة298)

التي لا يبقى للناظر فيها الارتياب في كون التسليم في آخر الصلاة أمراً مفروغاً عنه بين الإمامية في مقام العمل .
ومن المعلوم أنّ هذا النحو من الاستمرار ، أي استمرار المسلمين في مقام العمل ، يكشف عن مداومة النبي(صلى الله عليه وآله) على ذلك .
وبالجملة: فاستقرار عمل النبي(صلى الله عليه وآله) والمسلمين بعده ممّا لا يكاد يمكن إنكاره .

الجهة الثانية : صيغة التسليم


إنّ لكيفية التسليم ثلاث صيغ معروفة بين العامة والخاصة ، وقد عرفت أنّ الأوليين منها داخلتان في تحيّات التشهد عندهم ، بل عن الشافعي وجوبهما كوجوب قول التحيّات لله(1) ، ولكن ظاهرهم الاتّفاق على الإتيان بهما قبل الشهادتين ، والصلاة على النبي وآله(2) ، وقد ظهر لك(3) أنّ ذلك يوجب الخروج عن الصلاة عند الإمامية .
والظاهر أنّ التسليم عندهم(4) هي الصيغة الأخيرة المعروفة ، كما أنّه ربما يستفاد ذلك من رواية أبي بصير الطويلة المشتملة على تحيّات التشهد ، على النحو الأكمل ، حيث إنّه قال فيها بعد ذكر التحيّات المتضمّنة لقول السلام عليك أيّها النبي . . . ، والسلام علينا وعلى . . . ، : «ثم تسلّم»(5) ، فإنّ ظاهرها أنّ التسليم ليس

(1 ـ 3) راجع 2 : 286 .
(4) المجموع 3: 475 ـ 476; المغني لابن قدامة 1: 626; الشرح الكبير 1: 626; تذكرة الفقهاء 3: 245 مسألة  301 .
(5) التهذيب 2: 99 ح373; الوسائل 6: 393. أبواب التشهد ب3 ح2.

(الصفحة299)

هي الصغيتين الأوليين ، بل هما من تحيّات التشهد ، غاية الأمر أنّ محلّهما إنما هو  بعده .
والتحقيق في هذا المقام أن يقال : إنّه لا إشكال في أنّ صيغة التسليم الأولى لا تكون تسليماً مخرجاً عن الصلاة ، كما أنّه لا إشكال في استحبابه وعدم وجوبه ، إنما الكلام في الصيغتين الأخيرتين ، وإنّه هل يتحقق الخروج بالأخيرة منهما فقط ، أو بمجموعهما ، أو بكلّ واحدة منهما؟ وجوه .
والتتبّع في الروايات يقضي بكون المراد بالتسليم المعتبر في صحة الصلاة هو خصوص الصيغة الأخيرة ، وهي قول السلام عليكم .
منها : رواية أبي بصير المتقدمة .
ومنها : رواية عبد الرحمن بن أبي عبدالله عن الصادق(عليه السلام) الواردة في حكاية فعل رسول الله(صلى الله عليه وآله) وإتيانه بصلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع المشتملة على قوله(عليه السلام)  : «ثم استتمّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قائماً فصلّوا لأنفسهم ركعة، ثم سلّم بعضهم على بعض» ـ إلى أن قال : ـ «ثم جلس رسول الله(صلى الله عليه وآله) فتشهد ثم سلّم عليهم»(1) .
ومنها : رواية الحلبي عن أبي عبدالله(عليه السلام) الواردة في كيفية صلاة الخوف أيضاً حيث قال(عليه السلام)  : «يقوم الإمام وتجيء طائفة من أصحابه» ـ إلى أن قال : ـ «ثم يجلس الامام فيقومون هم فيصلّون ركعة اُخرى ثم يسلّم عليهم فينصرفون بتسليمه»(2) .
ومنها : بعض الروايات الاُخر الواردة في صلاة الخوف أيضاً(3) .

(1) الفقيه 1: 293 ح1337; الكافي 3 : 456 ح2; التهذيب 3: 172 ح380; الوسائل 8 : 435 . أبواب صلاة الخوف والمطاردة ب2 ح1.
(2) الكافي 3: 455 ح1، التهذيب 3: 171 ح379; المقنع: 130; الوسائل 8 : 437. أبواب صلاة الخوف والمطاردة ب2 ح4.
(3) راجع الوسائل 8 : 435 . أبواب صلاة الخوف والمطاردة ب2.

(الصفحة300)

ومنها : رواية المعراج المشتملة على بيان أفعال الصلاة المتضمّنة لقوله(صلى الله عليه وآله)  : «فقال لي ـ يعني جبرئيل ـ يا محمّد : صلِّ عليك وعلى أهل بيتك، فقلت : صلّى الله عليّ وعلى أهل بيتي وقد فعل، ثم التفت فإذا أنا بصفوف من الملائكة والنبيّين والمرسلين، فقال لي : يا محمّد سلّم، فقلت : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته»(1).
ومنها : بعض الروايات الواردة في كيفية تسليم المنفرد والإمام والمأموم ، المذكورة في الوسائل في الباب الثاني من أبواب التسليم .
وبالجملة: فلا إشكال بل ولا خلاف بين المسلمين ، في أنّ المراد من التسليم متى أطلق هو قول : السلام عليكم .
وحينئذ يقع الكلام في أنّ الصيغة الثانية ، وهي السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، هل تكون مخرجة ومحلّلة لما حرّمته الصلاة أم لا؟ فنقول :
الأخبار الواردة في هذا الباب كثيرة :
منها : رواية الحلبي قال : قال أبو عبدالله(عليه السلام) : كلّ ما ذكرت الله عزّوجلّ والنبي(صلى الله عليه وآله) فهو من الصلاة، وإن قلت : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فقد انصرفت»(2) .
ومنها : رواية أبي كهمس عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : سألته عن الركعتين الأوّلتين إذا جلست فيهما للتشهد فقلت وأنا جالس : السلام عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته، انصراف هو؟ قال : «لا ، ولكن إذا قلت: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فهو الانصراف»(3) .

(1) علل الشرائع : 312 الباب 1 ، ح1; الكافي 3: 482 ـ 485 ح1; الوسائل 5 : 466 . أبواب أفعال الصلاة ب1 ذ ح10 .
(2) الكافي 3: 337 ح6; التهذيب 2 : 316 ح1293; الوسائل 6 : 426. أبواب التسليم ب4 ح1 .
(3) الفقيه 1: 229 ح1014; التهذيب2: 316 ح1292; السرائر3: 604; الوسائل6: 426. أبواب التسليم ب4 ح2.

<<التالي الفهرس السابق>>