(الصفحة 197)
وكيف كان ، فتوضيح معنى الرواية أنّه لابدّ في استفادة المراد منها من حفظ ظهورات متعدّدة فيها ، وهي كثيرة :
أحدها : أنّ بيان كيفية دفع الأُجرة وإعطائها في السؤال ظاهر في تعلّق غرض السائل بهذه الخصوصية ، خصوصاً مع عدم الاقتصار على جملة واحدة والإتيان بجملة اُخرى تأكيداً وتوضيحاً ، ودعوى أنّه يمكن أن يكون ذلك لأجل بيان ما هو الواقع وليس له مدخلية فيما هو محطّ نظر السائل ، مدفوعة ـ مضافاً إلى أنّها في نفسها خلاف الظاهر ـ بأنّه لو كان السائل مثل إبراهيم الذي هو من وكلاء الإمام (عليه السلام)لكان من البعيد جدّاً تقييد مورد السؤال بما هو خارج عن محط نظره ، وغير دخيل فيما هو بصدده ، كما لا يخفى .
ثانيها : ظهور قوله (عليه السلام) : «فماتت قبل ثلاث سنين أو بعدها» في أنّ موت المرأة واقع في أثناء السنة لا عند انقضائها الذي هو الوقت المضروب للاُجرة ، فيدلّ ذلك على أنّه ليس محطّ النظر مجرّد موت المؤجر قبل انقضاء مدّة الإجارة ، وإلاّ لم يكن فرق بين الموت في أثناء السنة أو عند انقضائها .
ثالثها : ظهور ألفاظ الإجارة في السؤال وكذا في الجواب في كونها بمعنى واحد وهي الأُجرة ، ضرورة استعمالها في الرواية بمعنى الأُجرة قطعاً ، والظاهر كون الجميع بمعنى واحد .
رابعها : ظهور لفظ الوقت في الجُمَل الواقعة فيها هذه الكلمة في كونه في الجميع بمعنى واحد ; وهو الوقت المضروب لدفع الأُجرة ، ضرورة استعماله في هذا المعنى قطعاً ، والظاهر كون المراد من الجميع كذلك .
خامسها : ظهور قوله (عليه السلام) : «إنفاذ الإجارة إلى الوقت» في كون المراد من الوقت هو الوقت المضروب لدفع الأُجرة ، ضرورة أنّه لو كان المراد هي مدّة أصل
(الصفحة 198)
الإجارة لكان هذا التقييد غير محتاج إليه ، بل كان لغواً ; لأنّه لا يعقل إنفاذ عقد الإجارة المقيّدة بمدّة معيّنة إلى غير تلك المدّة ، كما هو ظاهر .
سادسها : ظهور الشرطية الاُولى في إمكان عدم ثبوت الوقت المسمّى ، وهو إنّما يتمّ بالنسبة إلى الوقت المضروب ، وأمّا بالإضافة إلى أصل الإجارة فلا مجال له ; لأنّه لابدّ فيها من مدّة معيّنة بخلاف دفع الأُجرة . وتوهّم كون النظر إلى حيثية عدم البلوغ فلا ينافي كون المراد هي مدّة الإجارة مدفوع ; بأنّ هذا مجرّد احتمال لا يقاوم الظهور .
إذا عرفت ما ذكرناه فاعلم أنّه لابدّ من بيان المراد من الرواية سؤالاً وجواباً مع حفظ هذه الظهورات الستة ، فنقول :
أمّا بيان مورد السؤال فهو أنّ محط نظر السائل إنّما هو أنّه هل يجب على الورثة إنفاذ الأُجرة إلى الوقت المضروب على ماهو مقتضى الاشتراط الذي التزم به المورّث فلا يستحقّون المطالبة إلاّ بعد انقضاء السنة ، أو أنّ الأُجرة تنقضي بالموت أو تنقص ، بناءً على احتمال كون الكلمة هي المنتقصة المأخوذة من النقص ، ومرجعه إلى استحقاق الورثة مطالبة اُجرة المقدار الذي أدركته المرأة ، فحقيقة السؤال ترجع إلى أنّ الورثة هل يجب عليهم العمل بالشرط الذي التزم به المورّث أم لا ؟ وليس المراد بالإنفاذ هو التوقّف على الإمضاء ، بل المراد بوجوبه هو وجوب الوفاء الذي يكون استعماله في مقام بيان لزوم العقد أو الشرط شائعاً ، كما لايخفى .
ومن المعلوم أنّ السؤال بهذا النحو إنّما هو على تقدير كون بقاء الصحّة بالإضافة إلى الإجارة ، وعدم عروض البطلان لها بالموت أمراً مفروغاً عنه عند السائل ، وإلاّ لا تصل النوبة إلى السؤال عن لزوم الوفاء بالشرط المذكور فيها .
(الصفحة 199)
ويؤيّد ما ذكرنا من بيان محطّ نظر السائل أنّ بعض الأعلام من المعاصرين نقل العبارة في شرحه على العروة هكذا : «هل يجب على ورثتها إنفاذ الأُجرة إلى الوقت ؟»(1) فذكر الأُجرة موضع الإجارة مع التزامه في نقل هذه الرواية بذكر الاحتمالات الناشئة من اختلاف النسخ ، كما يظهر لمن راجعه ، وكيف كان ، فمورد السؤال بملاحظة ما ذكرنا عبارة عن خصوص ما يتعلّق بالأُجرة من حيث اشتراط الأنجم المضروبة له .
وأمّا الجواب ، فالظاهر أنّ المراد بالجملة الاُولى هو عدم بلوغ الوقت المضروب للاُجرة ، أو عدم بلوغ المرأة ذلك الوقت كما هو المفروض في السؤال ، وعليه فالضمير في «لها» يرجع إلى الأُجرة ، ولا مجال لإرجاعها إلى المرأة أو إلى الإجارة ، أمّا إلى المرأة فواضح ، وأمّا إلى الإجارة فلما ذكرنا من خروجها عن محط نظر السائل ، مضافاً إلى أنّ الإجارة لا يمكن أن لا يكون لها وقت مسمّى ، فلا محيص إلاّ عن كون المراد هي الأُجرة والوقت المضروب لها ، والمراد من قوله (عليه السلام) : «فلورثتها تلك الأُجرة» أنّه بمجرّد الموت ينتقل الاستحقاق من المورّث إلى الورثة ، فاللام تفيد ملكيّة الورثة للأُجرة بتمامها ، وهذه الجملة توطئة لما هو الجواب المنطبق على السؤال ; وهو ما يستفاد من الجملة الثانية ، ومحصّله أنّه مع عدم إدراك المرأة الوقت المضروب وهو انقضاء السنة ، بل بلوغها النصف أو الثلث أو شيئاً منه يجب أن تعطى الورثة من الأُجرة بمقدار ما بلغت المرأة وأدركته ، ومرجع ذلك إلى أنّ الالتزام المتحقّق من المرأة بالشرط المذكور في عقد الإجارة إنّما يؤثّر بالنسبة إلى زمان حياتها ، وأمّا بعد الموت وانتقال الاستحقاق إلى الورثة فلا تأثير للشرط
- (1) مستمسك العروة الوثقى : 12 / 34 .
(الصفحة 200)
المذكور ، بل الورثة لهم أن يطالبوا أُجرة نصف سنة أو ثلثها مثلاً .
فالرواية تدلّ على صحّة الإجارة ولزومها ، وعلى عدم لزوم مثل هذا الشرط المذكور فيها بالإضافة إلى الورثة . غاية الأمر أنّ دلالتها على الأوّل بالمفروغية وعلى الثاني بالدلالة اللفظية . هذا غاية ما يقتضيه النظر الدقيق في فهم المراد من الرواية ، والظاهر أنّ المتأمّل المنصف لا يتجاوز عن ترجيحه على سائر المعاني ترجيحاً مستلزماً للتعيين ، كما هو غير خفي .
ثمّ إنّه على تقدير استفادة الصحّة من الرواية ربما يستشكل في الاستدلال بها عليها تارة من جهة عدم اعتبار السند ، واُخرى من جهة إعراض المشهور عنها ، وهو يوجب سقوط الرواية عن الحجية ولو بلغت في الصحّة أقصاها ، وثالثة من ناحية التقية وجهة الصدور ; نظراً إلى أنّ الرواية صادرة في زمان من يقول منهم بعدم بطلان الإجارة بالموت كالشافعي ومالك وأحمد(1) ، و حينئذ فيحتمل جدّاً صدور الحكم تقية ، خصوصاً مع كونها مكاتبة ، واحتمال التقية في المكاتبات أقوى كما هو ظاهر .
ويرد على ذلك
أوّلاً : أنّك قد عرفت أنّه لا حاجة لنا في الاستدلال بهذه الرواية للصحّة بعد كونها هي مقتضى العمومات والأخبار الخاصّة .
وثانياً : أنّه على فرض انحصار الدليل بهذه الرواية لا مجال للإشكال فيها من هذه الجهات ، فإنّ المناقشة في سندها وإن وقعت من بعض الأعاظم من الفقهاء كالأردبيلي على ما عرفت(2) ، إلاّ أنّ منشأها هو إبراهيم بن محمّد ، وقد مرّ أنّه هو
- (1) راجع الخلاف : 3 / 491 مسألة 7 ، والاُمّ : 4 / 30 ، وبداية المجتهد : 2 / 230 ، والمغني لابن قدامة : 6/42 .(2) في ص192 .
(الصفحة 201)
وأبوه كانا من وكلاء الناحية وأنّ الإمام (عليه السلام) قد وثقه . وأمّا إعراض المشهور فهو يتوقّف أوّلاً على ثبوت الشهرة من القدماء على البطلان ، وثانياً على ثبوت كون الإعراض لأجل قصور وخلل في الرواية ، لا لأجل ترجيح الأخبار الدالّة على البطلان على هذه الرواية الظاهرة في الصحّة ، وهو غير ثابت .
وأمّا المناقشة فيها من حيث جهة الصدور واحتمال التقية ، فمدفوعة بأنّ مجرّد الاحتمال لا يقاوم الأصل العقلائي الجاري في أمثال هذه الموارد ; وهي أصالة تطابق الإرادة الجدّية والاستعمالية ، كما قد حرّر في محلّه ، فالرواية من هذه الجهات سالمة عن الإيراد .
نعم ، بناءً على استفادة البطلان منها يمكن أن يقال : إنّ رواية واحدة دالّة على البطلان محتملة لغيره لأجل الاستدلال بها للصحّة أيضاً كيف يمكن أن تقاوم العمومات والروايات الخاصّة الدالّة على الصحّة ، وهل يسوغ رفع اليد عن جميعها بسبب رواية واحدة كذائية ؟
الأمر الثالث : في أنّه بعدما عرفت من كون مقتضى العمومات والروايات الخاصّة في المقام هي الصحّة ، فهل هناك شهرة معتبرة أو إجماع على البطلان حتّى يكون اللاّزم رفع اليد عن تلك والأخذ بهذه، أم لا ؟
وبعبارة اُخرى: هل يكون في البين ما يوجب الخروج عن مقتضى الأُصول أم لا ؟ وممّن أصرّ على إثبات الأوّل صاحب مفتاح الكرامة(1) ، وحكى المحقّق الرشتي (قدس سره) عن بعض مشايخه ذلك أيضاً(2) .
- (1) مفتاح الكرامة : 7 / 79 .(2) كتاب الإجارة للمحقّق الرشتي : 43 .