(الصفحة 270)
إذا تعذّر تسليم بعض المبيع دون بعض كان له الخيار بفسخ العقد رأساً ، مع أنّ تعذّر البعض لا يوجب خروجه عن الملك، بل لا يوجب إلاّ التبعّض في الغرض المعاملي(1) .
ويمكن أن يناقش فيما أفاده بأنّ ما حقّق في البيع إنّما هو ثبوت الخيار عند تعذّر تسليم بعض المبيع ، وأمّا أنّ هذا الخيار هو خيار التبعّض فلم يتحقّق ، بل الظاهر أنّه هو خيار تعذّر التسليم . غاية الأمر أنّه يكفي في ثبوت هذا الخيار تعذّر تسليم بعض المبيع أيضاً ، فلا دلالة له على كون الملاك في خيار التبعّض هو التبعّض في الغرض المعاملي ، وإن لم يحصل التبعّض في أثر العقد أصلاً ، وقد اعترف هو (قدس سره) بمثله في المقام، حيث صرّح في ابتداء كلامه بأنّه بالإضافة إلى المنفعة الفائتة في بعض المدّة يجري جميع ماذكر في تمام المدّة(2) ، مع أنّه من جملة ما ذكر في تمام المدّة خيار تعذّر التسليم ، فيظهر منه ثبوت هذا الخيار مع تعذّر تسليم البعض كما هو ظاهر .
وكيف كان ، فظاهر الأصحاب أنّه على تقدير ثبوت خيار تعذّر التسليم في المقام ـ كما هو أحد الوجوه الثلاثة المتقدّمة ـ إمّا أن يفسخ العقد كلاًّ أو يلتزم به كذلك ، وقد حكي عن جامع المقاصد(3) والمسالك(4) احتمال صحّة الفسخ في خصوص الماضي ، وإن اقتضى تبعّض العقد على المؤجر ; لأنّه ضرر لحقه بفعله وعدوانه ، بل صرّح المحقّق الإصفهاني (قدس سره) بأنّه إذا كان الخيار لأجل التعذّر فلابدّ من قصر الفسخ على خصوص المتعذّر وهو الفائت ، ولا يصغى إلى دعوى وحدة العقد ، فإمّا أن
- (1) بحوث في الفقه ، كتاب الإجارة : 259 ـ 260 .(2) بحوث في الفقه ، كتاب الإجارة : 259 .(3) جامع المقاصد : 7 / 146 .(4) مسالك الأفهام : 5 / 219 .
(الصفحة 271)
يبقى أو ينحلّ كما عن بعض أعلام السادة(1) . غاية الأمر أنّه إذا التزم بالعقد فقد تحمّل الضرر بنفسه ، وأمّا إذا فسخ العقد في الفائت لزمه تبعّض الملك في الباقي ، وهو على الفرض ضرر ، فله إعمال الخيار في الباقي ، وليس هذا إقداماً منه على الضرر ; لأنّ مجرّد تبعّض الملك مع عدم لزومه ليس ضرراً مستقراً لا يتمكّن من دفعه ، فاستقرار الضرر وعدم التخلّص عنه مستند إلى حكم الشارع بلزوم العقد في الباقي لا إلى إعمال الفسخ في الماضي ، فله رفعه بإعمال الفسخ في الباقي فتدبّر(2) .
أقول : سنذكر في مسألة تلف بعض العين المستأجرة أنّ الإجارة وإن كانت تنحلّ إلى إجارات متعدّدة حسب تعدّد الأبعاض ، إلاّ أنّه لا منافاة بينه وبين ثبوت الخيار في جميع أبعاضه مع تلف البعض فقط ، المستلزم للبطلان أو الانفساخ في خصوص ذلك البعض ; لأنّ الملاك فيه تعدّد المطلوب مع التوصّل إليه بعقد واحد ، وعليه فلا مجال لقصر الفسخ في خيار التعذّر على خصوص الفائت المتعذّر ، بل له أن يفسخ في المجموع ، بل ليس له الفسخ في البعض أصلاً ; لأنّه بعد ثبوت الخيار في المجموع لا وجه لتبعّضه أصلاً ، فلا تصل النوبة إلى البحث عن ثبوته للمؤجر بعد حصول التبعّض بالإضافة إليه في جانب الأُجرة ، أو ثبوته بالإضافة إلى الباقي لحصول التبعّض للمستأجر بالنسبة إليه ، كما أنّه لو وصلت النوبة إلى هذين الأمرين يكون مقتضى القاعدة ثبوته للمؤجر ، وعدوانه وظلمه لا يرفع الحكم الوضعي الثابت له .
كما أنّ مقتضى القاعدة عدم ثبوته للمستأجر بالإضافة إلى الباقي ; لأنّ إعمال
- (1) راجع العروة الوثقى : 5 / 47 مسألة 10 .(2) بحوث في الفقه ، كتاب الإجارة : 260 .
(الصفحة 272)
الخيار منه في الماضي فقط إقدام منه على الضرر عرفاً ، وما أفاده من أنّ التبعّض مع عدم اللزوم لا يكون ضرراً مستقراً لا يتمكّن من رفعه مخدوش ; بأنّ المفروض أنّ عدم اللزوم إنّما يراد إثباته من طريق الضرر ، فكيف يدفع به ، فتأمّل .
مضافاً إلى النقض بما إذا أقدم المغبون على المعاملة الغبنية مع العلم والالتفات إلى أصل الضرر ومقداره ، فإنّه بناءً على ما أفاده لا يكون مثل هذا الإقدام مانعاً عن ثبوت خيار الغبن الذي يكون مستنده قاعدة نفي الضرر ; لأنّ مجرّد المغبونية لا يوجب تحقّق عنوان الضرر إلاّ مع ضمّ اللزوم الذي هو حكم الشارع ، ومع العلم بالغبن أيضاً يكون الضرر مستنداً إلى حكم الشارع ، ضرورة أنّه مع عدم اللزوم لا يكون في البين ضرر مستقرّ لا يتمكّن من دفعه ، فتدبّر .
الثاني : لو كان منع المؤجر بعد إقباض العين المستأجرة فالمحكي عن المحقّق والشهيد الثانيين (قدس سرهما)(1) لزوم العقد وعدم ثبوت الخيار للمستأجر ; نظراً إلى استقرار العقد بالإقباض المعتبر في المعاوضة وحصول براءة الذمّة للمؤجر ، كما إذا استردّ البائع المبيع بعد إقباضه ، فإنّ تلفه حينئذ لا يوجب الانفساخ ، ولا تجري فيه قاعدة التلف قبل القبض ، فالمقام نظير ما إذا منعه الأجنبيّ بعد القبض أو غصبه الغاصب كذلك ، فكما أنّه لا خيار فيه للمستأجر كذلك فيما نحن فيه .
هذا ، ولكن الظاهر ثبوت الفرق بين باب الإجارة وباب البيع ، فإنّه هناك يتحقّق قبض المبيع بإقباض البائع ، ولا يكون استرداده منافياً لتحقّق القبض المانع عن الانفساخ ، والموجب لخروج البائع عن ضمان المبيع ، وأمّا هنا فقبض المنافع وإن كان يتحقّق بقبض العين ، إلاّ أنّه حيث تكون المنافع تدريجية الوجود لا يكفي
- (1) جامع المقاصد : 7 / 148 ، مسالك الأفهام : 5 / 219 ، الروضة البهية : 4 / 352 .
(الصفحة 273)مسألة : لو آجر دابّة من زيد فشردت بطلت الإجارة ، سواء كان قبل التسليم أو بعده في أثناء المدّة إن لم يكن بتقصير من المستأجر في حفظها1 .
إقباض العين في زمان في إقباض المنافع مطلقاً ، بل يحتاج إقباض المنافع في جميع مدّة الإجارة إلى قبض العين وإبقائها تحت يد المستأجر في تلك المدّة ، فاستردادها يمنع عن تحقّق إقباض المنفعة بعده ، وعليه فيكون منع المؤجر بعد الإقباض مساوياً من حيث الحكم لمنعه قبله ، فتجري فيه الوجوه الثلاثة المتقدّمة ; وهي الانفساخ وثبوت اُجرة المثل والتخيير بين الأمرين ، وقد عرفت منّا الإشكال في جريان قاعدة التلف لمثل هذه الفروض ، ولكن ربما يشكل جريانها من ناحية اُخرى ; وهي أنّ مورد قاعدة التلف إنّما هو البيع ، ولحوق الإجارة به إنّما كان مستنداً إلى الإجماع ، ومع ثبوت الاختلاف في هذه الفروض لا إجماع ، فلا مجال لقاعدة التلف أصلاً .
ولكن يمكن دفع هذا الإشكال بأنّه لا منافاه بين الأمرين ، فإنّ الإجماع انعقد على عدم اختصاص قاعدة التلف بباب البيع ، ولا خلاف في هذه الجهة بينهم ، ومنشأ الاختلاف في هذه الفروض اُمور ترجع إلى مقام التطبيق من جهة كون المنع بعد الإقباض هل يكون تلفاً بعده ، أو تلفاً قبل القبض لاختلاف المنفعة والعين في القبض ، ومن بعض الجهات الاُخر ؟ فهذه الاختلافات لا تنافي الإجماع على أصل الإلحاق ، كما هو ظاهر .
1 ـ الظاهر أنّ حكم الدابّة الشاردة حكم تلف العين المستأجرة الذي سيأتي الكلام فيه مفصّلاً ، كما أنّ حكم ما إذا كان هناك تقصير من المستأجر في حفظها حكم إتلافهابلحاظ بقاء الإجارة وعدمه، وسيأتي الكلام فيه كذلك إن شاء الله تعالى.
(الصفحة 274)
[لو انقضت المدّة ولم يستوف المستأجرُ المنفعةَ بعد التسليم]
مسألة : لو تسلّم المستأجر العين المستأجرة ولم يستوف المنفعة حتّى انقضت مدّة الإجارة ، كما إذا استأجر داراً مدّة وتسلّمها ولم يسكنها حتّى مضت المدّة ، فإن كان ذلك باختيار منه استقرّت عليه الاُجرة . وفي حكمه ما لو بذل المؤجر العين المستأجرة فامتنع المستأجر عن تسلّمها واستيفاء المنفعة منها حتّى انقضت . وهكذا الحال في الإجارة على الأعمال ، فإنّه إذا سلّم الأجير نفسه وبذلها للعمل وامتنع المستأجر عن تسلّمه ـ كما إذا استأجر شخصاً يخيط له ثوباً معيّناً في وقت معيّن وامتنع من دفعه إليه حتّى مضى الوقت ـ فقد استحقّ عليه الاُجرة ، سواء اشتغل الأجير في ذلك الوقت مع امتناعه بشغل آخر لنفسه أو غيره أو بقي فارغاً ، وإن كان ذلك لعذر بطلت الإجارة ، ولم يستحقّ المؤجر شيئاً من الأُجرة إن كان ذلك عذراً عامّاً لم تكن العين معه قابلة لأن تستوفى منها المنفعة ، كما إذا استأجر دابّة للركوب إلى مكان فنزل ثلج مانع عن الاستطراق ، أو انسدّ الطريق بسبب آخر ، أو داراً للسكنى فصارت غير مسكونة; لصيرورتها معركة أو مسبعة ونحو ذلك. ولو عرض مثل هذه العوارض في أثناء المدّة بعد استيفاء المستأجر مقداراً من المنفعة بطلت الإجارة بالنسبة . وإن كان عذراً يختصّ به المستأجر ـ كما إذا مرض ولم يتمكّن من ركوب الدابّة المستأجرة ـ ففي كونه موجباً للبطلان وعدمه وجهان ، لايخلو ثانيهما من رجحان . هذا إذا إشترط المباشرة بحيث لم يمكن له استيفاء المنفعة ولو بالإجارة ، وإلاّ لم تبطل قطعاً1 .
1 ـ أمّا استقرار الأُجرة في الفرض الأوّل فلفرض تحقّق التسليم من المؤجر