أجزائه، وعلى الاحتمال الآخر: ما لايدرك كلّ جزء من أجزائه لايترك كلّجزء منها، وهذا أيضا كالمعنى الأوّل معنى صحيح؛ لأنّ عدم درك كلّ جزءيصدق بدرك بعضالأجزاء، كما أنّعدم ترك كلّ جزءيتحقّق بالإتيان بالبعض.
فالمستفاد منه أنّه مع عدم إدراك جميع الأجزاء ودرك البعض يجب الإتيانبالبعض، ولا يجوز ترك الكلّ.
ولكن لا يخفى أنّ ما أفاده الشيخ هنا ـ كما أشار إليه اُستاذنا السيّدالإمام رحمهالله ـ من فروع النزاع المعروف بينه(2) وبين المحقّق صاحب الحاشية(3) فيباب المفاهيم، وهو أنّه إذا كان الحكم في المنطوق حكما عامّا، فهل المنفي فيالمفهوم نفي ذلك الحكم بنحو العموم، أو نفي العموم الغير المنافي لثبوت البعض،مثلاً قوله عليهالسلام : «الماء إذا بلغ قدر كُرٍّ لاينجّسه شيء»(4)، هل يكون مفهومه أنّهإذا لم يبلغ ذلك المقدار ينجّسه جميع الأشياء النجسة، أو أنّ مفهومه تنجّسه
بشيء منها الغير المنافي لعدم تنجّسه ببعض النجاسات؟
والحقّ مع صاحب الحاشية؛ لأنّ المفهوم عبارة عن انتفاء الحكم فيالمنطوق عند انتفاء الشرط، لا ثبوت حكم نقيض للحكم في المنطوق، وقدحقّقنا ذلك في باب المفاهيم من مباحث الألفاظ.
وحينئذ فالمراد بـ «ما لا يدرك كلّه» في المقام بناءً على هذا الاحتمال:ما لايدرك ولو بعض أجزائه، لا ما لا يدرك شيء منها، ولكنّ الظاهر أنّالمراد به هو الكلّ المجموعي في الموضع الأوّل، وأمّا الموضع الثاني فقد عرفتأنّه لابدّ من حمله على الكلّ الأفرادي، فلا مناقشة في الاستدلال بالحديث منهذه الجهة، وأنّ المناقشة فيه من حيث شموله للمستحبّات.
تتمة: في اعتبار صدق الميسور في جريان القاعدة
قد اشتهر بينهم أنّه لابدّ في جريان قاعدة الميسور من صدق الميسور علىالباقي عرفا ـ كصدق عنوان الصلاة على الباقي ـ ولا بدّ من ملاحظة أدلّتهليظهر حال هذا الشرط.
فنقول: أمّا قوله صلىاللهعليهوآله : «إذا أمرتكم بشيء فأتوا ما استطعتم» فدلالته على ذلكتتوقّف على أن يكون المراد منه: إذا أمرتكم بطبيعة لها أفراد ومصاديق، فأتومن تلك الطبيعة ـ أي أفرادها ـ ما يكون مستطاعا لكم، وحينئذ فالفردالمستطاع أيضا فرد للطبيعة صادق عليه عنوانها كالصلاة والوضوء ونحوهما.وحينئذ فلو لم يكن عنوانها صادقا على الفاقد للأجزاء المعسورة لايمكنإثبات وجوبه بهذا الحديث؛ لأنّه لابدّ وأن يكون مصداقا لها، غاية الأمر أنّهمصداق ناقص، والمعسور فرد كامل.
وأمّا بناء على ما استظهرنا من الحديث من كون المراد منه الإتيان بالطبيعة
(صفحه518)
المأمور بها زمان الاستطاعة والقدرة، فلا يستفاد منه هذا الشرط، كما لا يخفى.
وأما قوله عليهالسلام : «الميسور لايسقط بالمعسور» ففيه احتمالان: الأوّل: أن يكونالمرادالميسور منأفراد الطبيعة المأمور بها لايسقط بالمعسور من أفراد الطبيعة.
الثاني: أن يكون المراد الميسور من أجزاء الطبيعة المركّبة لايسقطبالمعسور من أجزاء الطبيعة المركّبة.
ودلالة هذا الحديث على الشرط المذكور مبنيّة على الاحتمال الأوّل؛ إذلازم ذلك فرديّة الميسور والمعسور للطبيعة، ولازم الفرديّة انطباق عنوانالطبيعة وصدقه عليهما، فإن لم يصدق العنوان لاتجري القاعدة.
وأمّا على الاحتمال الثاني فلا دلالة له على ذلك، فتجرى القاعدة وإن كانالميسور جزءً واحدا ولم ينطبق عنوان الطبيعة عليه.
وهكذا قوله عليهالسلام : «ما لا يدرك كلّه لايترك كلّه» يحتمل أن يكون المراد به أنّالمركّب الذي لايدرك كلّه لا يترك ذلك المركّب بكلّيّته، ومعناه حينئذ لزومالإتيان بالمركّب الناقص بعد تعذّر درك التامّ، فلابدّ من صدق العنوان علىالباقي وكونه مصداقا للطبيعة المأمور بها.
ويحتمل أن يكون المراد به أنّ المركّب الذي لايدرك كلّه لايترك كلّ ذلكالمركّب، أي لايترك كلّ جزء من أجزائه، كما استظهرنا هذا المعنى منه، وعليهلا دلالة له على ذلك، فلا يستفاد من الروايات اعتبار الشرط المذكور وإن كاناعتباره مفروغا عنه ومسلّما في كلمات الأعاظم.
ثمّ إنّ المرجع في تعيين الميسور على فرض اعتبار هذا الشرط هو العرف،فكلّ مورد حكم العرف فيه بأنّ الباقي مصداق للطبيعة يحكم فيه بلزومالإتيان به، فالخطابات متوجّهة إلى العرف، وتشخيص أنّ الميسور من الطبيعةأم لا بعهدة العرف. نعم، لا منافاة بينه وبين دخالة الشارع في بعض الموارد