(الصفحة 189)
حضرت المكتوبة فابدأ بها ، فلا يضرّك أن تترك ما قبلها من النافلة»(1) . هذا ، ولا يخفى أنه يحتمل أن يكون المراد بحضور المكتوبة حضور الجماعة لها لا أصل وقتها ، فالرواية على تقدير دلالتها على المنع لا تدلّ إلاّ على المنع فيما إذا انعقدت الجماعة للمكتوبة ، والتعبير بقوله : «فلا تضرّك» يشعر بعدم كون المنع على نحو الإلزام . هذا ، مضافاً إلى أنّ قوله : «تترك ما قبلها من النافلة» ظاهر في أنّ المراد بالنافلة هي ا لرواتب ، إذ النافلة المبتدأة لا تكون مرتبطة بالفريضة ، بحيث تكون قبلها أو بعدها ، وحينئذ فالمراد بحضور المكتوبة حضور وقت فضيلتها كالذراع والذراعين في الظهرين ، فلا تدلّ الرواية على حكم النافلة المبتدأة ، أو التي تكون قضاء عن الرواتب .
ومنها : رواية نجيّة قال : قلت لأبي جعفر(عليه السلام) : تدركني الصلاة ويدخل وقتها فأبدأ بالنافلة؟ قال : فقال أبو جعفر(عليه السلام) : «لا ، ولكن إبدأ بالمكتوبة واقض النافلة»(2) . وظاهر الرواية باعتبار قوله : «اقض النافلة» أنّ المراد من النافلة الرواتب اليومية التي خرج وقتها ، فلا دلالة لها على حكم النافلة المبتدأة ونحوها .
ومنها : رواية أديم بن الحرّ قال : سمعت أبا عبدالله(عليه السلام) يقول : «لا يتنفّل الرجل إذا دخل وقت فريضة ، قال : وقال : «إذا دخل وقت فريضة فابدأ بها»(3) .
ومنها : رواية أبي بكر عن جعفر بن محمّد(عليهما السلام) قال : «إذا دخل وقت صلاة فريضة فلا تطوّع»(4) .
- (1) التهذيب 2 : 247 ح984 ; وفيه : «زياد بن أبي غياث» ; الاستبصار 1 : 253 ح907 ; الوسائل 4 : 227 . أبواب المواقيت ب35 ح4 .
- (2) التهذيب 2 : 167 ح662 ، الوسائل 4 : 227 ; أبواب المواقيت ب35 ح5 ، وفيه : «نجبة» .
- (3) التهذيب 2 : 167 ح663 ; الوسائل 4 : 228 . أبواب المواقيت ب35 ح6 .
- (4) التهذيب 2 : 167 ح660 وص 340 ح1405 ، الاستبصار 1 : 292 ح1071 ، الوسائل 4 : 228 . أبواب المواقيت ب35 ح7 .
(الصفحة 190)
ومنها : رواية زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) قال : «لا تصلّ من النافلة شيئاً في وقت الفريضة ، فإنّه لا تقضى نافلة في وقت فريضة ، فإذا دخل وقت الفريضة فابدأ بالفريضة»(1) .
ومنها : ما رواه الصدوق في الخصال بإسناده عن عليّ(عليه السلام) في حديث الأربعمائة قال : «من أتى الصلاة عارفاً بحقّها غفر له ، لا يصلّي الرجل نافلة في وقت فريضة إلاّ من عذر ، ولكن يقضي بعد ذلك إذا أمكنه القضاء ، قال الله تعالى :
{الذين هم على صلاتهم دائمون}(2) يعني الذين يقضون ما فاتهم عن الليل بالنهار وما فاتهم من النهار بالليل لا يقضى النافلة في وقت فريضة ، إبدأ بالفريضة ثم صلّ ما بدا لك»(3) .
ومنها : رواية إسماعيل عن أبي جعفر(عليه السلام) قال : «أتدري لِمَ جعل الذراع والذراعان؟» قلت : لا ، قال : «حتّى لا يكون تطوّع في وقت مكتوبة»(4) .
ومنها : رواية زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) المتقدّمة في المسألة السابقة المشتملة على قوله : «أكنت تطوّع إذا دخل عليك وقت الفريضة؟ فابدأ بالفريضة»(5) .
ومنها : ما رواه الشهيد في الذكرى بسنده الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام)قال : قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : «إذا حضر وقت صلاة مكتوبة فلا صلاة نافلة حتى يبدأ بالمكتوبة . . .»(6) .
ومنها : رواية يعقوب بن شعيب عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : سألته عن الرجل
- (1) السرائر 3 : 586 ; الوسائل 4 : 228 . أبواب المواقيت ب35 ح8 .
- (2) المعارج 70 : 23 .
- (3) الخصال : 638 ; الوسائل 4 : 228 . أبواب المواقيت ب35 ح 10 .
- (4) علل الشرائع : 349 ; الوسائل 4 : 229 . أبواب المواقيت ب35 ح11 .
- (5) التهذيب 2 : 133 ح513 ، الاستبصار 1 : 283 ح1031 ، الوسائل 4 : 264 . أبواب المواقيت ب50 ح3 .
- (6) الذكرى 2 : 422 ; الوسائل 4 : 283 . أبواب المواقيت ب61 ح6 .
(الصفحة 191)
ينام عن الغداة حتى تبزغ(1) الشمس ، أيصلّي حين يستيقظ ، أو ينتظر حتى تنبسط الشمس؟ قال : «يصلّي حين يستيقظ» قلت : يوتر أو يصلّي الركعتين؟ قال : «بل يبدأ بالفريضة»(2) .
ومنها : رواية زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) أنّه سئل عن رجل صلّى بغير طهور أو نسي صلوات لم يصلّها أو نام عنها؟ فقال : يقضيها إذا ذكرها في أيّ ساعة ذكرها من ليل أو نهار ، فإذا دخل وقت الصلاة ولم يتمّ ما قد فاته فليقض ما لم يتخوّف أن يذهب وقت هذه الصلاة التي قد حضرت ، وهذه أحقّ بوقتها فليقضها ، فإذا قضاها فليصلّ ما فاته ممّا قد مضى ، ولا يتطوّع بركعة حتى يقضي الفريضة كلّها»(3) .
هذه هي الروايات الدالة على المنع ، ولا يخفى أنّ المراد بوقت الفريضة يحتمل أن يكون جميع الوقت الوسيع من أوله إلى آخره ، ويحتمل أن يكون المراد به الوقت الذي لا تكون النافلة فيه مزاحمة للفريضة ، كالذراع والذراعين في الظهرين وسقوط الشفق في العشاء ، ويحتمل أن يكون المراد به الوقت الذي تنعقد فيه الجماعة لأجل المكتوبة ، كما أنّ هنا إحتمالا رابعاً وهو أن يكون المراد به الوقت الذي يتعيّن فيه الإتيان بالفريضة ، لصيرورتها قضاءً لو أخّرت عنه ، لا إشكال في عدم كون المراد به هو الاحتمال الأخير ، لكون الروايات المتقدّمة آبية عن الحمل عليه ، بل صريحة في خلافه ، كما أنّ الظاهر بطلان الاحتمال الأول أيضاً ، لأنّ أكثر روايات المنع كما عرفت قد وردت في خصوص الرواتب اليومية ، أو الأعمّ منها ، ولا يمكن
- (1) بزغت الشمس بزغاً وبزوغاً : شرقت; القاموس المحيط 3 : 106 .
- (2) التهذيب 2 : 265 ح1056 ، الإستبصار 1 : 286 ح1047 ، الوسائل 4 : 284 . أبواب المواقيت ب61 ح4 .
- (3) الكافي 3 : 292 ح3 ، التهذيب 2 : 172 ح685 وج3 : 159 ح341 ، الوسائل 8 : 256 . أبواب قضاء الصلوات ب2 ح3 .
(الصفحة 192)
حملها على خصوص النافلة المبتدأة كما مرّ .
وحينئذ فبعدما استقرّ عمل النبيّ(صلى الله عليه وآله) والأئمة المعصومين(عليهم السلام) وكذا جميع الصحابة بل أكثر الناس على الإتيان بالرواتب قبل الفريضة في نافلة الظهرين ، وقبل سقوط الشفق في نافلة المغرب ، وقبل طلوع الحمرة المشرقية في نافلة الصبح ، لا ينبغي الشكّ والارتياب في استحباب الإتيان بالنافلة الراتبة في أوّل الزوال مثلا ، وكون جواز ذلك بل أفضليته من الاُمور المرتكزة عند الناس ، وحينئذ فإذا اُلقي إليهم هذه العبارات الدالة على عدم جواز الإتيان بالنافلة في وقت الفريضة ، لا يفهمون منه عدم الجواز في وقت يصح فيه الإتيان بالفريضة ، بل لا يتبادر إلى أذهانهم إلاّ أول أوقات الفضيلة للفريضة التي تكون خاتمة الأوقات المضروبة للنوافل التي تزاحم فيها مع الفريضة ، وحينئذ فيكون مدلول الروايات أخصّ من مدّعى المانعين ، لأنّ مدّعاهم المنع في جميع الوقت الوسيع الذي يصحّ فيه الإتيان بالفريضة ، وحينئذ فلابدّ من التزامهم بالتخصيص فيها ، لخروج الرواتب عن هذا الحكم قطعاً ، وأمّا بناء على ما ذكرنا يكون خروج الرواتب بنحو التخصّص ، إذ لا تعرّض في الروايات حينئذ لما قبل الذراع والذراعين مثلا ، وحينئذ فلا دليل على المنع في غير الرواتب أيضاً .
نعم لابدّ من تعيين المراد من النهي الوارد فيها ، وأنّه هل المراد منه الحرمة ، أو الكراهة تكليفاً ، أو وضعاً ، ولكنّه بحث آخر يأتي ، والكلام هنا في تعيين موضع النهي في هذه الرواية ، وقد عرفت أنّ استقرار عمل النبيّ(صلى الله عليه وآله) ومن بعده قرينة متّصلة على أنّ المراد بوقت الفريضة ليس مجموع الوقت الوسيع من أوّله إلى آخره ، نعم يستفاد من روايات المنع ، منع الإتيان بالرواتب بعد دخول وقت الفضيلة للفريضة ، فيكون غيرها أولى بعدم الجواز ; وحينئذ فلابدّ من التكلّم فيها من حيث أنّ النهي الوارد فيها هل يكون المراد به الحرمة أو غيرها؟ فنقول : إنّ
(الصفحة 193)
النهي فيها يحتمل وجوهاً :
أحدها : أن يكون النهي فيها للتحريم بسبب انطباق عنوان محرّم على النافلة مطلقاً ، راتبةً كانت أو غيرها بعد مضيّ الذراع مثلا .
ثانيها : أن يكون النهي إرشاداً إلى فساد النافلة في ذلك الوقت .
ثالثها : أن يكون النهي نهياً تنزيهيّاً بسبب انطباق عنوان ذي حزازة ومنقصة على النافلة في ذلك الوقت .
رابعها : أن يكون للإرشاد إلى قلة الثواب ، بمعنى أنّ النافلة لو أتى بها في هذا الوقت تكون أقل ثواباً بالنسبة إلى ما لو أتى بها في غير هذا الوقت .
خامسها : أن لا يكون النهي عن النافلة بسبب حرمتها أو حزازتها أو كونها أقلّ ثواباً ، بل كان للإرشاد إلى أنّ الأفضل حينئذ البدأة بالمكتوبة ، بمعنى أنّه حيث كانت ذمّة المكلّف مشغولة بما هوّ أهم وأكمل ، فالأحرى تقديم الأهمّ وعدم تأخيره ، فالنهي إنّما هو لمراعاة فضل المبادرة إلى الفريضة ، ومقتضى هذا الاحتمال عدم كون التطوّع في وقت الفريضة حراماً ، ولا ذا حزازة ومنقصة أصلا ، ولا ينقص فضلها عن الإتيان بها في غير وقتها ، بل هما متساويان بلا تفاضل .
وهذا هو أوجه الاحتمالات كما يظهر بالتدبّر فيها ، ويساعده فهم العرف أيضاً ، فإنّ العرف المخاطب بمثل قوله(عليه السلام) : «إذا دخل وقت الفريضة فابدأ بها» أو «لا تطوّع في وقت الفريضة» لا يفهم منه مع ملاحظة توسعة الوقت إلاّ أنّ مع اشتغال الذمّة بالفريضة ينبغي تقديمها وإفراغها منها ، ثمّ الشروع في الإتيان بالنوافل .
هذا كلّه مع أنّه لو أغمضنا النظر عمّا ذكرنا نقول : إنّ الأخبار الدالّة على الجواز صريحة فيه ، وروايات المنع ظاهرة في مدلولها ، ومقتضى قاعدة الجمع حمل الظاهر على النصّ ، وتوجيهه بما لا ينافيه ، والشهرة التي ادعيت على المنع ليست بحدّ توجب خروج أخبار الجواز عن الحجّية كما لا يخفى .