(الصفحة 413)
قال: لا بأس، قد كان لأبي الحسن(عليه السلام) منه جبّات(1).
هذا، ولا يخفى أنّ أكثر الأخبار الواردة في حكم الحرير متضمّنة لبيان الحرمة التكليفيّة النفسيّة المتعلقة به، وأنّه لا يجوز لبسه مطلقاً في الصلاة وغيرها.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه لا إشكال في بطلان الصلاة في الثوب المنسوج بأجمعه من الإبريسم; بأن يكون سداه ولحمته كلاهما من الإبريسم، كما أنّه لا إشكال في حرمة لبسه.
وأمّا مجرّد استصحاب الإبريسم من دون أن يكون منسوجاً، فالظاهر أنّه لا يحرم مطلقاً وضعاً وتكليفاً; لعدم صدق الحرير عليه، ولو كان الثوب منسوجاً من الإبريسم وغيره; بأن يكون سداه منه ولحمته من غيره أو بالعكس، ففي حرمته إشكال، وكذا الإشكال فيما إذا كان الثوب محشوّاً بالإبريسم، أو كان بعضه بسداه ولحمته منه، وبعضه الآخر من غيره، أو كان مكفوفاً به، أو كانت ظهارته منه وبطانته من غيره أو بالعكس.
وجه الإشكال في الجميع، أنّه يمكن أن يقال بعدم صدق الصلاة في الحرير ـ وكذا لبسه ـ على ما إذا لم يكن الثوب بأجمعه من الإبريسم، بل يختصّ بما إذا كان الثوب بسداه ولحمته وظهارته وبطانته وحشوه منه، وعلى فرض الشمول فيمكن القول بخروج الجميع; لتوصيف الحرير في بعض الروايات بكونه محضاً أو مبهماً(2)، أو نظائرهما، بناءً على أن لا يكون الوصف مقابلا لخصوص ما إذا
- (1) الكافي 6: 455، ح11; وعنه وسائل الشيعة 4: 373، أبواب لباس المصلّي، ب13، ح1.
- (2) تهذيب الأحكام 2: 367 و 208، ح1524 و 817; الاستبصار 1: 386، ح1468 و 1467; الفقيه 1: 171، ح808; وعنها وسائل 4: 374ـ375، أبواب لباس المصلّي، ب13، ح5 و 6.
(الصفحة 414)
كان منسوجاً من الإبريسم مخلوطاً بغيره، كالقطن مثلا; بأن كان سداه منه ولحمته من غيره، أو بالعكس.
وأمّا بناءً على أن يكون مقابلا لخصوص الصورة المذكورة، وشمول النهي عن الصلاة في الحرير المحض أو عن لبسه، لما إذا كانت ظهارته بسداه ولحمته منه وبطانته من غيره أو بالعكس، ولما إذا كان بعض الثوب بأجمعه من الإبريسم، وبعضه الآخر من غيره، ولغيرهما من الصور، فالخروج عن عموم النهي يحتاج إلى مخصّص.
فالذي يبتني عليه الحكم في الصور المذكورة بعد صدق الصلاة في الحرير على كلّ واحد منها هو: أنّ التقييد بالمحضيّة والمبهميّة ونظائرهما على اختلاف ألسنة الروايات، هل يوجب خروج الجميع واختصاص مورد النهي بما إذا كان الثوب بجميع أجزائه بسداه ولحمته من الإبريسم. نعم، لا اعتبار بما إذا كان ما يعدّ خارجاً من الثوب وزائداً عليه من غيره، كما إذا كان علمه أو كفّه من غير الإبريسم، أو يوجب خروج ما إذا كان نسج الثوب من الإبريسم مخلوطاً بغيره، ويبقى بقيّة الصور تحته؟
ظاهر الجواهر والمصباح(1) هو: أنّ الوصف يوجب خروج ما إذا كان بعض الثوب بسداه ولحمته من الإبريسم، وبعضه من غيره، كالمنسوج على الطرائق، وإذا لم تكن هذه الصورة مشمولة للنهي، فعدم شموله لما إذا كان عَلَمه أو كفّه من الإبريسم بطريق أولى.
نعم، لو كان بعضه المنسوج من الإبريسم بمقدار يصلح لأن يكون تمام
- (1) جواهر الكلام 8: 228ـ229; مصباح الفقيه 10: 343.
(الصفحة 415)
الثوب، كما إذا كانت ظهارته أو بطانته أو حشوه من الإبريسم، فيشكل الحكم بعدم التحريم. واستندا(1) في ذلك إلى أنّ بعض الثوب لا يكون ثوباً بل جزء منه، وهو يشعر بعدم صدق الصلاة في الحرير مع قطع النظر عن قيده على ما إذا كان بعض الثوب من الإبريسم.
ولا يخفى منعه; لما عرفت(2) في الأمر الثاني من الاُمور المعتبرة في لباس المصلّي; من صدق الظرفيّة في الشعرات الملقاة على المصلّي من غير المأكول. هذا، مضافاً إلى عدم صحّة الاستدلال من رأس; لأنّ بعض الثوب يصدق عليه الثوب، كما يظهر من ملاحظة موارد إطلاقاته.
هذا، ويظهر من الفقهاء الوجه الثاني(3)، حيث إنّهم اختلفوا فيما إذا كان عَلَمُ الثوب أو كفّه من الإبريسم، ومنشأ الاختلاف وجود رواية تدلّ على الجواز في هذه الصورة(4)، فبعضهم استند إليها مع كونها عامّية، وبعضهم أعرض عنها لذلك; فإنّ هذا يدلّ على أنّ شمول النهي وعمومه لهذه الصورة كان مسلّماً بينهم، غاية الأمر ثبوت الاختلاف في وجود المخصّص الذي يمكن التمسّك به وعدمه.
ومن هنا ينقدح أنّ الظاهر هو هذا الوجه تبعاً للأكثر; لأنّ الشمول كان متسالماً بين الأصحاب، بل بين العامّة أيضاً(5) بالنسبة إلى الحرمة التكليفيّة،
- (1) أي صاحب الجواهر ومصباح الفقيه.
- (2) في ص348ـ349.
- (3) المقنعة: 150; الكافي في الفقه: 140; الخلاف 1: 505، مسألة 246; المهذّب 1: 74ـ75; غنية النزوع: 66; تذكرة الفقهاء 2: 474; مدارك الأحكام 3: 175 و 180; مستند الشيعة 4: 350.
- (4) سنن النسائي 8: 213ـ214، ح5322 و 5323; صحيح البخاري 7: 56، ح5828 و 5829; سنن أبي داود: 615، ب12، ح4055.
- (5) المجموع 4: 436; تذكرة الفقهاء 2: 474.
(الصفحة 416)
ومن الواضح: أنّه لا يجوز التعدّي عمّا يكون متبادراً عندهم بعد كونهم أعرف بمفاهيم ألفاظ العرب.
والاستدلال على عدم الشمول بأنّ المتبادر من لفظ الثوب هو جميعه وبعض الثوب لا يكون ثوباً كما تقدّم، يدفعه ـ مضافاً إلى أنّه لم يرد لفظ الثوب في متعلّق النهي ـ لما عرفت من أنّ الثوب في لغة العرب عبارة عن الشيء المنسوج، وليس مساوقاً للقميص وأمثاله من الألبسة، ويدلّ عليه ملاحظة موارد إطلاقاته، كما يقال في كفن الميّت: إنّه عبارة عن ثلاثة أثواب، وغيره من الموارد.
هذا، ولو قلنا بذلك كما عرفت من الجواهر والمصباح، فلا وجه للحكم بحرمة ما إذا كانت ظهارة الثوب أو بطانته أو حشوه من الإبريسم، وكذا ما إذا كان بعض الثوب المنسوج منه بمقدار يصلح لأن يكون تمام الثوب، كما تقدّم منهما; إذ المفروض كونه بالفعل بعض الثوب وجزءاً منه، وصلاحيّته لأن يصير تمام الثوب لا يوجب خروجه عن الحكم الثابت له بالفعل باعتبار كونه جزءاً منه.
هذا، ويؤيّد ما ذكرنا من شمول النهي لغير صورة واحدة ـ وهي ما إذا كان الثوب سداه من الإبريسم ولحمته من غيره أو بالعكس ـ ما يظهر منهم من استثناء لبس الحرير في حال الحرب، والحكم بجوازه لكونه موجباً لتقوية القلب وتسكينه(1); فإنّه لولا شمول النهي لما إذا كان بعض الثوب حريراً ممتازاً عن بعضه الآخر لما احتاجوا إلى الاستثناء; إذ يكفي في تقوية القلب كون ما يحاذيه من الثوب حريراً، فتأمّل.
- (1) المراسم: 64; النهاية: 96; الوسيلة: 88; المعتبر 2: 88; منتهى المطلب 4: 222ـ223; تذكرة الفقهاء 2: 471; ذكرى الشيعة 3: 40 و 45ـ46; روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان 2: 554; مدارك الأحكام 3: 174; كشف اللثام 3: 219ـ220; الحدائق الناضرة 7: 91; مستند الشيعة 4: 339.
(الصفحة 417)
ثمّ إنّ الجواز بقسميه: التكليفي والوضعي في الصورة المتقدّمة ـ وهي ما إذا كان الثوب منسوجاً من الإبريسم وغيره على وجه لا يتميّز ـ لا ينحصر بما إذا كان مقدار الإبريسم مساوياً لمقدار غيره أو أنقص، بل يشمل ما إذا كان أزيد منه.
نعم، فيما إذا كان غيره مستهلكاً بحيث يصدق أنّه صلّى في الحرير المحض، لا يبعد القول بالمنع.
فانقدح من جميع ما ذكرنا ثبوت التحريم مطلقاً إلاّ في صورة واحدة، ويشمل ما إذا كان عَلَم الثوب أو كفّه أو لبنته من الإبريسم; لما عرفت من أنّ الدليل على الجواز في خصوص هذه الصورة رواية عامّية ضعيفة غير قابلة للاعتماد والاستناد عليها، كما لا يخفى.
مسألة: قد عرفت(1) أنّ بطلان الصلاة في الحرير المحض مورد لاتّفاق الإماميّة في الجملة، وذلك في الثوب الذي يجوز فيه الصلاة منفرداً، وأمّا ما لا تتمّ فيه الصلاة وحده، ففي بطلان الصلاة فيه إذا كان حريراً محضاً، وعدمه ـ نظير ما إذا كان متنجّساً; فإنّ الظاهر أنّ جواز الصلاة فيه محلّ وفاق بين الأصحاب ـ وجهان بل قولان، فالمحكيّ عن جماعة، منهم: الشيخ وأبو الصلاح(قدس سرهما) هو الجواز(2)، وظاهر بعضهم المنع، كما هو المشهور بين المتأخّرين(3).
- (1) في ص410.
- (2) النهاية: 96; المبسوط 1: 83; الكافي في الفقه: 140; إرشاد الأذهان 1: 246; التنقيح الرائع 1: 180ـ181; الروضة البهيّة 1: 206; وفي ذخيرة المعاد: 227، س40; والوافي 7: 425، ذ ح6252، أنّه أشهر; وفي البحار 83: 241; والحدائق الناضرة 7: 97، أنّه المشهور; وفي مصابيح الظلام 6: 307، المشهور عند المتأخّرين الجواز.
- (3) الفقيه 1: 172، ذ ح810; منتهى المطلب 4: 224ـ225; البيان: 120; مجمع الفائدة والبرهان 2: 83ـ84; مدارك الأحكام 3: 179; ذخيرة المعاد: 227، س40; بحار الأنوار 83: 241، ولم نعثر عاجلاً على من إدّعى كون المنع مشهوراً.