(صفحه127)
مسألة 12: لو كان المنكر ممّا لا يرضى المولى بوجوده مطلقاً، كقتل النفسالمحترمة جاز ـ بل وجب ـ الدفع ولو انجرّ إلى جرح الفاعل أو قتله، فيجب الدفاععن النفس المحترمة بجرح الفاعل أو قتله لو لم يمكن بغير ذلك؛ من غير احتياجإلى إذن الإمام عليهالسلام ، أو الفقية مع حصول الشرائط، فلو هجم شخص على آخر ليقتلهوجب دفعه ولو بقتله مع الأمن من الفساد، وليس على القاتل حينئذٍ شيء1.
مسألة 13: لا يجوز التعدّي إلى القتل مع إمكان الدفع بالجرح، ولابدّ من مراعاةالأيسر فالأيسر في الجرح، فلو تعدّى ضمن، كما أنّه لو وقع عليه من فاعل المنكرجرح ضمن، أو قتل يقتصّ منه2.
1ـ هذه المسألة وكذا المسألة اللاحقة متمّمتان للمسألة السابقة،وقدتعرّض في هذه المسألة لما إذا كان المنكر ممّا لا يرضى الشارع بوجودهمطلقاً، كقتل النفس المحترمة؛ فإنّه حينئذٍ يجوز بل يجب الدفع ولو انجرّإلى جرح الفاعل أو قتله ولم يمكن بغير ذلك، من غير حاجة إلى أذنالإمام عليهالسلام ، أوالفقيه الجامع؛ لعدم حصول المنكر المذكور. نعم، يعتبر الأمن منالفساد من دون أن يكون على القاتل شيء.
2ـ لا يجوز التعدّي عن الجرح الّذي هو أقلّ ضرراً إلى القتل مع إمكانالدفع به؛ لما مرّ مراراً من لزوم مراعاة الأيسر فالأيسر، الّذي هو لازمالمراعاة في مراتب الجرح أيضاً، كما أنّه لو وقع عليه من فاعل المنكر جرحيكون ضامناً، أو قتل يجوز أن يقتصّ منه، كما لا يخفى.
(صفحه128)
مسألة 14: ينبغي أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر في أمره ونهيهومراتب إنكاره، كالطبيب المعالج المشفق، والأب الشفيق المراعي مصلحةالمرتكب، وأن يكون إنكاره لطفاً ورحمةً عليه خاصّة، وعلى الاُمّة عامّة، وأنيجرّد قصده للّه ـ تعالى ـ ولمرضاته، ويخلّص عمله ذلك عن شوائب أهوية نفسانيّةوإظهار العلوّ، وأن لا يرى نفسه منزّهة، ولا لها علوّاً أو رفعة على المرتكب، فربمكان للمرتكب ولو للكبائر صفات نفسانيّة مرضيّة للّه تعالى أحبّه ـ تعالى ـ لهوإن أبغض عمله، وربما كان الآمر والناهي بعكس ذلك وإن خفي على نفسه1.
مسألة 15: من أعظم أفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأشرفهوألطفها وأشدّها تأثيراً، وأوقعها في النفوس؛ سيّما إذا كان الآمر أو الناهي منعلماء الدين ورؤساء المذهب ـ أعلى اللّه كلمتهم ـ هو الصادر عمّن يكون لابسرداء المعروف، واجبه ومندوبه ، ومتجنّباً عن المنكر والمكروه، وأن يتخلّقبأخلاق الأنبياء والروحانيّين، ويتنزّه عن أخلاق السفهاء وأهل الدنيا، حتّى يكونبفعله وزيّه وأخلاقه آمراً وناهياً، ويقتدي به الناس.
وإن كان ـ والعياذ باللّه تعالى ـ بخلاف ذلك، ورأى الناس أنّ العالم المدّعيلخلافة الأنبياء وزعامة الاُمّة غير عامل بمايقول، صار ذلك موجباً لضعف عقيدتهم،وجرأتهم على المعاصي، وسوء ظنّهم بالسلف الصالح، فعلى العلماء ـ سيّمورؤساء المذهب ـ أن يتجنّبوا مواضع التّهم، وأعظمها التقرّب إلى سلاطين الجور،ورؤساء الظلمة. وعلى الاُمّة الإسلاميّة أنلو رأوا عالماً كذلك حملوا فعله علىالصحّة مع الاحتمال، وإلاّ أعرضوا عنه ورفضوه؛ فإنّه غير روحانيّ تلبّس بزيّالروحانيّين، وشيطان في رداء العلماء، نعوذ باللّه من مثله ومن شرّه على الإسلام2.
1 ، 2ـ الأمر في هاتين المسألتين واضح لا يحتاج إلى الشرح والتفسير،
(صفحه129)
وقد عرفت(1) في أوّل الكتاب أنّه حيث كتب الإمام الماتن هذا الكتاب في أيّامالإقصاء عن وطنه في زمن الطاغوت، وفي حال مجاهدته له، وكانت الاُمور فيتلك الحال في غاية الصعوبة والاندماج، وكان الإمام مبتلى بالمسائل المذكورةفي المتن، وببعض من الروحانيّين المتقرّبين إلىالطاغوت، وأحسّ ضرر هذهالاُمور، فلذا قد تعرّض قدسسره لمسائله بما رأيت مع خلوّ الكتب الفقهيّةعن التعرّض لهذه الموارد، والآن بحمد للّه اندثرت تلك الابتلاءات ببركة الثورةالإسلاميّة، الّتي فجّرها قدّس سرّه الشريف.
- (1) في ص83، وراجع تحرير الوسيلة 1: 7، تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة، كتاب الاجتهادوالتقليد: 7.
(صفحه130)
ختام، فيه مسائل:
ختام: فيه مسائل
مسألة 1: ليس لأحد تكفّل الاُمور السياسيّة، كإجراء الحدود، والقضائيّةوالماليّة، كأخذ الخراجات والماليّات الشرعيّة، إلاّ إمام المسلمين عليهالسلام ومن نصبهلذلك1.
مسألة 2: في عصر غيبة وليّ الأمر وسلطان العصر ـ عجّل اللّه تعالى فرجهالشريف ـ يقوم نوّابه العامّة ـ وهم الفقهاء الجامعون لشرائط الفتوى والقضاء مقامه في إجراء السياسات وسائر ما للإمام عليهالسلام إلاّ البدأة بالجهاد2.
1 ، 2ـ قال في الجواهر: فلا خلاف أجده في الحكم هنا(1)، بل عن الغنية(2)والسرائر الإجماع عليه، بل في المحكي عن الثاني دعواه من المسلمين، قال:والإجماع حاصل منعقد من أصحابنا ومن المسلمين جميعاً: أنّه لا يجوز إقامةالحدود، ولا المخاطب بها إلاّ الأئـمّة عليهمالسلام والحكّام القائمون بإذنهم في ذلك.وأمّا غيرهم، فلايجوز له التعرّض لها على حال، فلا يرجع عن هذا الإجماعبأخبار الآحاد، بل بإجماع مثله، أو كتاب اللّه تعالى، أو سنّة متواترة
(1) وفي حاشية إرشاد الأذهان، المطبوع مع حياة المحقّق الكركي وآثاره 9: 310، لا خلاف فيه.
(2) غنية النزوع: 425.
(صفحه131)
مقطوع بها(1)، إنتهى(2).
مع أنّ هنا نصوصاً مذكورة في كتاب الحدود(3)، مضافاً إلى أنّ غير الفقيهالجامع للشرائط لا يكون عالماً بالخصوصيّات المعتبرة في هذه الاُموروبأحكام القضاء، وربما لا يجري الحدّ الشرعيّ أو لا يحكم بالقضاء الشرعيلأجل الفسق وعدم العدالة، فيلزم الفساد العظيم، والهرج والمرج الشديد.
ففي عصر الحضور وبسط يده عليهالسلام يكون المتصدّي لهذه الاُمور الإمام عليهالسلام ،أومن نصبه لخصوص ذلك، وليس مثل الحدود، كبعض مراتب الأمر والنهيالمستلزم للجرح أو القتل، كما ذكرناه آنفاً(4)؛ لأنّه ـ مضافاً إلى أنّا اخترنا تبعللمحقّق قدسسره في الشرائع أنّ الأظهر فيهما أيضاً إذن الإمام عليهالسلام علىما عرفت(5) ربما يفرّق بينهما، بأنّ الحدّ مطلوب شرعاً لذاته من حيث إنّه حكم شرعيّمتعلّق بمنصب الإمامة، فلابدّ من إذن الإمام عليهالسلام .
وأمّا الجرح والقتل؛ فإنّهما مطلوبان لامتثال الأمر والنهي لا لذاتهما،فلا يشترطان بإذن الإمام عليهالسلام كالدفاع، ولذا وقع الخلاف في الأوّل دون الثاني،وكيف؟ فاستثناء الجهاد البدوي في ذيل المسألة الثانية يدلّ على أنّ الجهاد إذكانللدفاع عنبيضةالإسلام، فلايكون مشروطاً بإذنالإمام عليهالسلام كماسيجيء(6)،وأمّا إذا كان بدويّاً فاللاّزم إذنه الخاصّ، والظاهر أنّه لا خلاف فيه.
- (2) جواهر الكلام 22: 658 ـ 659.
- (3) راجع وسائل الشيعة 28: 49 ـ 50، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب مقدّمات الحدود وأحكامها العامّةب28، وص56 ـ 58 ب32.