(الصفحة 381)
فيه المسلمون ، تسألني البيّنة على ما في يدي ، وقد ملكته في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبعده ، ولم تسأل المؤمنين البيّنة على ما ادّعوا عليّ ، كما سألتني البيّنة على ما ادّعيت عليهم ؟ ـ إلى أن قال : ـ وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) البيّنة على من ادّعى واليمين على من أنكر . ورواه الطبرسي في الاحتجاج مرسلا(1) .
ويمكن أن يقال بإشعار هذه الرواية بل دلالتها على أماريّة اليد وكاشفيتها ; نظراً إلى قوله (عليه السلام) : «فإن كان في يد المسلمين شيء يملكونه» فإنّ توصيفهم بكونهم مالكين ليس إلاّ من جهة مجرّد اليد الكاشفة عن الملكية ، لا أنّه كان هناك طريق آخر عليها ، كما لا يخفى . نعم ، قوله (عليه السلام) بعده : «وقد ملكته في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبعده» ربما ينافي ذلك ، فتدبّر .
الطائفة الثالثة : ما يدلّ على اعتبار اليد أيضاً ، ولكن ربما تتوهّم دلالتها أيضاً على كونها أصلا ، كرواية حفص بن غياث عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : قال له رجل : إذا رأيت شيئاً في يدي رجل يجوز لي أن أشهد أنّه له؟ قال : نعم ، قال الرّجل : أشهد أنّه في يده ولا أشهد أنّه له فلعلّه لغيره ، فقال أبو عبدالله (عليه السلام) : أفيحلّ الشراء منه؟ قال : نعم ، فقال أبو عبدالله (عليه السلام) : فلعلّه لغيره ، فمن أين جاز لك أن تشتريه ويصير ملكاً لك؟ ثمّ تقول بعد الملك : هو لي وتحلف عليه ، ولا يجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه من قبله اليك؟
ثمّ قال أبو عبدالله (عليه السلام) : لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق(2) .
- (1) تفسير القمّي : 2 / 155 ـ 157 ، الاحتجاج : 1 / 237 ـ 238 ، وعنهما وسائل الشيعة : 27 / 293 ، كتاب القضاء ، أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ب 25 ح 3 ، وفي مستدرك الوسائل : 17 / 369 ، كتاب القضاء ، أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ب 3 ح 5 عن الاستغاثة : 16 .
(2) الكافي : 7 / 387 ح 1 ، الفقيه : 3 / 31 ح 92 ، تهذيب الأحكام : 6 / 261 ح 695 ، وعنها وسائل الشيعة : 27 / 292 ، كتاب القضاء ، أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ب 25 ح 2 .
(الصفحة 382)
وهذه الرواية وإن كانت ضعيفة من حيث السّند بقاسم بن يحيى ، إلاّ أنّها مجمع على العمل بها ، ووجه توهّم دلالتها على كون اليد أصلا لا أمارة قوله (عليه السلام) في الذيل : «لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق» وذلك ; لأنّه يستفاد منه أنّ اعتبار اليد وجعلها حجّة إنّما هو لأجل اختلال سوق المسلمين بدونه ، لا لأجل كونها كاشفة وطريقاً .
ولكن يرد عليه ـ مضافاً إلى أنّ قوله (عليه السلام) : «فمن أين جاز لك أن تشتريه ويصير ملكاً لك؟» ظاهر في أنّ صيرورته ملكاً له إنّما هي لأجل كونه تحت استيلاء البائع ويده الكاشفة عن ملكه ثمّ انتقاله إليه بالبيع ، ولو لم تكن اليد أمارة على ثبوتها لما جاز الحلف على الملكية المترتّبة على الشراء بعد عدم ثبوتها للبائع ـ أنّ التعليل في الذيل لا يدلّ على الأصليّة ، لاحتمال أن يكون ذلك حكمة لعدم ردع الشارع عن اعتبارها ، لا لأصل اعتبارها .
وبعبارة أوضح : حيث إنّ الأمارات العقلائية المعتبرة عند العقلاء يحتاج اعتبارها شرعاً إلى عدم ردع الشارع عنها ، وإلاّ فلا أثر لها بنظر الشرع ، ومن المعلوم أنّ الرّدع وعدمه لا يكون إلاّ لأجل وجود المصلحة وعدمها ; ضرورة أنّه لا يكون جزافاً ومن غير جهة ، فلا محالة لابدّ وأن يكون عدم ردع الشارع في المقام عن أمارية اليد مسبّباً عن أمر ، وقد بيّن في الرواية ذلك الأمر ، وهو اختلال سوق المسلمين بدونه ، فهذه حكمة لعدم الرّدع عمّا هو المعروف بين العقلاء ، لا بيان لقاعدة مخترعة للشارع في قبال العقلاء .
وبالجملة : لو كان هذا تعليلا لأصل اعتبار اليد لكان لتوهّم دلالته على كون اليد أصلا وجه ، وإلاّ فمع ظهوره في كونه تعليلا لعدم الرّدع عمّا هو المعروف بين العقلاء ، أو مع احتماله ، لا يبقى للتوهّم المزبور مجال أصلا ، فتدبّر .
(الصفحة 383)
ورواية مسعدة بن صدقة ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : سمعته يقول : كلّ شيء هو لك حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك ، وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة ، أو المملوك عندك لعلّه حرّ قد باع نفسه ، أو خدع فبيع قهراً ، أو امرأة تحتك وهي اُختك أو رضيعتك ، والأشياء كلّها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة(1) .
وهذه الرواية هي العمدة في التوهّم المذكور ، ووجه استفادة الأصلية منها أنّ قوله (عليه السلام) «كلّ شيء هو لك حلال» الخ ظاهر في أنّ الحكم بالحليّة مترتّب على الشيء الذي شك في حليته وحرمته ، فموضوع الحكم الشيء المشكوك بوصف كونه مشكوكاً ، ومن المعلوم أنّ هذا شأن الأحكام الظاهريّة والاُصول العملية ; حيث إنّها قواعد مجعولة للشاك بما هو شاك . وأمّا الأمارات فمرجع اعتبارها إلى إلغاء احتمال الخلاف وجعله كالعدم . وبالجملة : لا إشكال في أنّ هذه العبارة تدلّ على أصالة الحلية في مورد مشكوك الحلية .
وحينئذ نقول : إنّه بعد بيان هذه القاعدة الكلية قد بيّن في الرواية بعض مصاديقها التي من جملتها : الثوب المشترى الذي يحتمل أن يكون سرقة ، والعبد المبتاع الذي يحتمل أن يكون خدع فبيع ، ومن المعلوم أنّ انطباق تلك القاعدة على هذا القبيل من الأمثلة لا يكاد يتمّ إلاّ مع اعتبار اليد أصلا ، وإلاّ فلو كانت أمارة معتبرة عند الشارع لا تكاد تنطبق القاعدة المذكورة في الصدر عليه أصلا ، كما هو أوضح من أن يخفى .
ويرد عليه : أنّه لابدّ وأنّ تحمل الأمثلة المذكورة في الذيل على أنّها إنّما اُتي بها بعنوان التنظير والتمثيل ، لا بعنوان بيان بعض المصاديق ، وإلاّ فلو كانت تلك
- (1) الكافي : 5 / 313 ح 40 ، تهذيب الأحكام : 7 / 226 ح 989 ، وعنهما وسائل الشيعة : 17 / 89 ، كتاب التجارة ، أبواب ما يكتسب به ب 4 ح 4 ، ومرآة العقول 19 / 432 ح 40 وملاذ الأخيار : 11 / 434 ح 9 .
(الصفحة 384)
الأمثلة من مصاديق أصالة الحلية التي دلّ على اعتبارها قوله (عليه السلام) في الصدر : «كلّ شيء هو لك حلال . . .» لأمكن المناقشة في الكلّ بعدم كون شيء منها مجرى أصالة الحلية ; لوجود أصل حاكم عليها مخالف لها أو موافق ، كاستصحاب عدم تحقّق الملكية بالإضافة إلى الثوب والمملوك في المثالين الأوّلين ، وعدم تحقّق الرضاع أو عدم تحقق الاُختيّة بناءً على قول من يقول بجريان الاستصحاب في مثله ، أو عدم تحقّق الزوجية بناءً على قول من يقول بخلافه كما هو الحقّ .
وقد حققناه بما لا مزيد عليه في استصحاب عدم القرشية ، وكذا استصحاب عدم التذكية ، أي عدم قبولها كما في المثالين الأخيرين ، ومن المعلوم أنّه لا مجال للأصل المحكوم مع وجود الأصل الحاكم موافقاً كان أو مخالفاً ، وحينئذ لا محيص عن حمل الأمثلة على بيان التنظير لا الأفراد والمصاديق ، فلا دلالة للرواية بناءً عليه إلاّ على مجرّد اعتبار اليد ، من غير دلالة ولا إشعار على أنّ اعتبارها من باب الأصل .
وقد انقدح من جميع ما ذكرنا أنّه لا معارض للطائفة الاُولى من الأخبار الدالّة على أمارية اليد وكونها كاشفة ، فلا محيص عن الالتزام به .
نعم ، ذكر المحقّق البجنوردي (قدس سره) أنّه لا دلالة لشيء من الأخبار على الأمارية ، وأنّ غاية مفادها ترتيب آثار الملكية لما تحت يد شخص ، من دون تعرّض إلى أنّ اليد طريق إلى الملكية أم لا . فقوله (عليه السلام) : «من استولى على شيء منه فهو له» لا يدلّ إلاّ على ترتيب آثار الملكية على ما استولى عليه ، وهذا المعنى أعمّ من الأمارية والأصلية ، ويجتمع مع كلّ واحد منهما ، فلا يمكن إثبات خصوص أحدهما بها ، حتى أنّ جواز الحلف والشهادة الّذي اُخذ العلم في موضوعهما على نحو الطريقية مستنداً إليها لا ينافي أصليّتها ; لأنّ الاُصول التنزيلية أيضاً مثل الأمارات تقوم
(الصفحة 385)
مقام العلم الذي اُخذ في الموضوع على نحو الطريقية ، فمن هذه الجهة أيضاً لا فرق بينهما(1) .
ولكن يرد عليه : أنّ تشخيص المراد من الروايات موكول إلى العرف ، فإنّه الحاكم في هذا الباب ، ومن الواضح أنّه لو كان شيء عند العقلاء يعامل معه معاملة الطريقية ، فإذا ورد في كلام الشارع ترتيب الأثر عليه فلا محالة يفهم العرف من ذلك الكلام أنّ الشارع اعتبره على النحو الذي يعتبره أنفسهم ، فإذا كان الاستيلاء على شيء موضوعاً عند العقلاء للحكم بالملكية وترتيب آثارها عليه بنحو يكون الاستيلاء كاشفا عنها وأمارة لها ، فإذا وقع موضوعاً للحكم بالملكية في كلام الشارع الملقى إلى العرف ، لا مجال للمناقشة بأنّ الحكم بالملكية يمكن أن يكون من سنخ الاُصول دون الأمارات ، والكلام يحتمل وجهين ، بل الظاهر ظهوره في الأمارية والكاشفية بنحو يكون عند العرف .
وعليه : فدلالة الرواية بهذه الملاحظة ظاهرة ، ويؤيّده جواز الحلف والشهادة ; فإنّ الاكتفاء فيه بالاُصول التنزيلية على حسب اصطلاحه محلّ كلام واختلاف كما بيّن في محلّه ، مع أنّه لم يختلف أحد في جواز الحلف والشهادة في المقام ، وهذا يكشف عن عدم كونه من تلك الاُصول ، بل من الأمارات .
الجهة الثالثة : في مفاد القاعدة ، وقد ظهر من المباحث السّابقة أنّ مفاد القاعدة اعتبار اليد والاستيلاء على شيء والحكم بترتّب آثار الملكية على ما تحتها ; من جواز الاشتراء والحلف والشهادة وسائر الآثار في مورد يكون مبدأ الاستيلاء والسيطرة مشكوكاً ، وأنّ منشأه هل هو الملكية الاختيارية أو القهرية ، كالإرث أو الإذن من المالك ، أو أنّه العدوان والقهر على المالك ، أو مع عدم الإذن منه؟ ففي صورة الشك تجري هذه القاعدة وتحكم بملكية المستولي وصاحب اليد .
- (1) القواعد الفقهيّة للمحقّق البجنوردي : 1 / 140 ـ 141 .