ج1
اللفظ ونوعه كليهما ومع ذلك استعماله في المعنى، ضرورة أنّه ليس لنا عندالاستعمال إلاّ أمران: شخص اللفظ ومعناه.
لا يقال: فكيف قلت بصحّة إطلاق اللفظ وإرادة نوعه في مثل «زيد لفظ»؟
فإنّه يقال: ـ مضافاً إلى الاختلاف في صدق الاستعمال هناك كما عرفت ـ لميكن(1) هناك إلاّ استعمال شخص اللفظ في نوعه وطبيعيّه، فكان المستعملشخص اللفظ والمستعمل فيه نوعه ولم يكن لنا شيء ثالث، بخلاف ما يدّعيهالمحقّق العراقي رحمهالله في المقام من لحاظ نوع اللفظ مضافاً إلى استعمال شخصه فيالمعنى، فإنّه مستلزم لتحقّق اُمور ثلاثة: شخص اللفظ ونوعه والمعنى. هذا.
بيان ما هو الحقّ في جواب المحقّق النائيني رحمهالله
ولكن يمكن أن يُجاب عن كلام المحقّق النائيني رحمهالله بأنّا لا نسلّم أنّ اللفظملحوظ بنحو التبعيّة والآليّة في جميع موارد استعماله في المعنى، فإنّه قد يكونلحاظه استقلاليّاً حتّى في الاستعمالات المتعارفة، ولذا ترى بعض الخطباءيزيّنون كلامهم بالألفاظ الجميلة، وربما يُقال في شأنهم: فلان ماهر فياستخدام الألفاظ الحسنة عند الخطابة، ولا ريب في أنّ تزيين الكلامباستخدام الألفاظ الجميلة مستلزم لتعلّق اللحاظ الاستقلالي بها.
فما ذهب إليه المحقّق الخراساني رحمهالله من إمكان الاستعمال المحقّق للوضع حقّ،لعدم استلزامه للجمع بين اللحاظين، فإنّ لحاظ اللفظ وإن كان آليّاً في أكثرالاستعمالات، إلاّ أنّ لحاظه مستقلاًّ ليس بمحال.
بل ما ذهب إليه صاحب الكفاية أمر عقلائي، ألا ترى أنّك إذا رزقت ولد
- (1) هذا هو الحقّ في الجواب، لذهاب شيخنا الاُستاذ«مدّ ظلّه» إلى صدق الاستعمال فيما إذا اُطلق اللفظواُريد به نوعه. م ح ـ ى.
(صفحه300)
قد تقول في مقام تسميته: «إنّي سمّيته زيداً» وقد يتعلّق غرضك بأن تقولابتداءً: «ائتوني بزيد» مريداً تسميته به، فالاستعمال المحقّق للوضع أمر عقلائي.
لكنّه هل هو حقيقة أو مجاز؟
قال المحقّق الخراساني رحمهالله : ليس واحداً منهما، أمّا عدم كونه حقيقةً فلاستعمالاللفظ في غير ما وضع له، وأمّا عدم كونه مجازاً فلدلالته عليه بنفسه بلا مراعاةما اعتبر في المجاز من العلاقة، ولا ضير في عدم كون الاستعمال حقيقةً ولمجازاً بعدما كان ممّا يقبله الطبع ولا يستنكره، وقد عرفت سابقاً(1) أنّه فيالاستعمالات الشائعة في المحاورات ما ليس بحقيقة ولا مجاز(2).
والحقّ أنّه حقيقة، لأنّ الاستعمال الحقيقي كما يتحقّق مع سبق الوضع عليهكذلك يتحقّق مع مقارنته له كما في المقام، إذ لا ملزم لاشتراط سبقه عليه، وليصحّ قياس المقام بمسألة إطلاق اللفظ وإرادة نوعه ونحوه، لعدم إمكان تحقّقالحقيقة فيه، لاستعماله في غير ما وضع له مع أنّ المستعمل لا يريد به الوضعبل مجرّد الاستعمال، ولا المجاز، لعدم تحقّق العلاقة المعتبرة فيه بين نوع اللفظمثلاً ومعناه.
فالاستعمال وإن كان يمكن أن يكون فاقداً للحقيقة والمجاز كما في إطلاقاللفظ وإرادة نوعه، إلاّ أنّه حقيقة في المقام، لعدم اشتراط سبق الوضع علىالاستعمال الحقيقي.
وكيف كان فلا إشكال في صحّة ما ادّعاه صاحب الكفاية أوّلاً من إمكانالاستعمال المحقّق للوضع، كما عرفت، لكنّ الكلام في دعواه الثانية، وهي وقوعه
- (1) راجع ص246 وص255 فقد تقدّم هناك أنّ استعمال اللفظ في نوعه أو صنفه أو مثله لا يكون حقيقةً ولمجازاً. م ح ـ ى.
ج1
في لسان الشارع.
هذا بالنسبة إلى الوضع التعييني.
وأمّا الحقيقة التعيّنيّة فلا شبهة في وقوعها في عصر الصادقين عليهماالسلام في لسانهموبعده في لسان الأئمّة المتأخّرين، بل قبله في لسان الأئمّة المتقدّمين عليهما، فإنّألفاظ العبادات صارت حقيقةً في المعاني الشرعيّة لا محالة في عصر الإمامالأوّل أمير المؤمنين عليهالسلام في لسانه بسبب كثرة الاستعمال فيها لكثرة الابتلاءبها، سيّما في زمن خلافته الظاهريّة المتحقّقة بعد خمس وعشرين سنة من وفاةالنبيّ صلىاللهعليهوآله .
بقي الكلام في الألفاظ المستعملة في كلامه صلىاللهعليهوآله ، والظاهر أنّ تحقّق كثرةالاستعمال فيها في خصوص لسانه صلىاللهعليهوآله بحيث تصير حقيقةً تعيّنيّة غير معلومبل ممنوع، لكنّ الإنصاف أنّ منع حصول كثرة الاستعمال كذلك في زمانالشارع صلىاللهعليهوآله في مجموع لسانه ولسان تابعيه مكابرة كما قال المحقّق الخراساني رحمهالله .
ولا يخفى أنّ هذا كافٍ لحمل كلامه صلىاللهعليهوآله على المعاني الشرعيّة الجديدة، وإنلم يتعرّضه صاحب الكفاية، بل ربما يستظهر من كلامه عدم الكفاية؛ وذلكلأنّه صلىاللهعليهوآله كان عالماً ببلوغ كثرة الاستعمال في لسان المتشرّعة الموجودين فيعصره إلى حدّ الحقيقة التعيّنيّة، فكان مستغنياً عن ذكر القرينة على إرادتها.
(صفحه302)
ثمرة النزاع في الحقيقة الشرعيّة
ثمّ بناءً على مشي المشهور في هذا البحث وقع النزاع في ترتّب الثمرة عليه،وفي أنّها ما هي؟
قال المحقّق الخراساني رحمهالله : وأمّا الثمرة بين القولين فتظهر في لزوم حمل الألفاظالواقعة في كلام الشارع بلا قرينة على معانيها اللغويّة مع عدم الثبوت وعلىمعانيها الشرعيّة على الثبوت فيما إذا علم تأخّر الاستعمال(1).
فإذا وصل إلينا خبر معتبر بأنّ الشارع المقدّس قال: «صلِّ عند رؤيةالهلال» فلابدّ من الحكم بوجوب الصلاة عند الرؤية لو قلنا بثبوت الحقيقةالشرعيّة وعلمنا بتأخّر الاستعمال، ومن الحكم بوجوب الدّعاء عندها لو لمتثبت أو جهل تقدّم الاستعمال وتأخّره.
وذهب بعضهم إلى أنّ تلك الألفاظ تحمل على المعاني الشرعيّة بناءً علىالثبوت وإحراز تأخّر الاستعمال، لكنّها لا تحمل على المعاني اللغويّة بناءً علىعدمه، بل مجملة مردّدة بينهما.
إن قلت: إذا دار الأمر بين الحقيقة والمجاز تجري أصالة الحقيقة، فلم لتحمل في الفرض الثاني على المعاني اللغويّة؟
ج1
قلت: تقدّم الحقيقة على المجاز مسلّم فيما إذا كان المجاز من المجازاتالمتعارفة، بخلاف المجاز المشهور الذي يساوي احتماله لاحتمال الحقيقة إذا اُطلقاللفظ بلا قرينة لأجل اُنس الذهن به كاُنسه بالحقيقة، والمقام من هذا القبيل،إذ لا يمكن إنكار كون هذه الألفاظ مجازات مشهورة في المعاني الجديدةالشرعيّة وإن أمكن إنكار كونها حقيقةً فيها.
ولكن ذهب المحقّق النائيني وتبعه بعض الأعلام إلى أنّه لا ثمرة للمسألةأصلاً، واستدلاّ عليه بأنّه ليس لنا مورد نشكّ فيه في المراد الاستعمالي من هذهالألفاظ، سواء قلنا بثبوت الحقيقة الشرعيّة أم لم نقل، لأنّ الحقيقة الشرعيّةوإن فرض أنّها لم تثبت إلاّ أنّه لا ريب في صيرورة هذه الألفاظ حقيقةً فيالمعاني الشرعيّة في عرف المتشرّعة بعد النبيّ صلىاللهعليهوآله ، فإذن لابدّ من حمل ماشتمل على ألفاظ العبادات من أخبار الأئمّة عليهمالسلام ـ وهي كثيرة جدّاً بالنسبة إلىالأحاديث النبويّة ـ على المعاني الشرعيّة، لكونهم من المتشرّعة، بل فيرأسهم.
بقي الكلام في ألفاظ الكتاب والأحاديث النبويّة، وحيث إنّ ألفاظ الكتابوأكثر أحاديثه صلىاللهعليهوآله واصلة إلينا بواسطة الأئمّة عليهمالسلام فلا محالة هي أيضاً تحملعلى المعاني الشرعيّة، وأمّا ما وصل إلينا منه صلىاللهعليهوآله من غير طريقهم عليهمالسلام فإمّا ليشتمل على ألفاظ العبادات أو يكون معلوم المراد، فليس لنا حديث نبويّمشتمل على لفظ الصلاة والزكاة والحجّ ونحوها مجهول المراد.
فلا ثمرة للنزاع في هذه المسألة أصلاً، بل هو بحث علمي فقط(1).
- (1) أجود التقريرات 1: 48، ومحاضرات في اُصول الفقه 1: 142.