(صفحه460)
فَانتَهُواْ»(1).
وإنّ اللّه نهى عن أشياء ليس نهي حرام، بل إعافة(2) وكراهة، وأمر بأشياءليس بأمر فرض ولا واجب، بل أمر فضل ورجحان في الدين، ثمّ رخّص فيذلك للمعلول وغير المعلول، فما كان عن رسول اللّه صلىاللهعليهوآله نهي إعافة أوأمر فضلفذلك الذي يسع استعمال الرخصة فيه، إذا ورد عليكم عنّا الخبر(3) فيه باتّفاقيرويه من يرويه في النهي ولا ينكره وكان الخبران صحيحين معروفين باتّفاقالناقلة فيهما يجب الأخذ بأحدهما أو بهما جميعا أو بأيّهما شئت وأحببت موسّعذلك لك من باب التسليم لرسول اللّه صلىاللهعليهوآله والردّ إليه وإلينا وكان تارك ذلك منباب العناد والإنكار وترك التسليم لرسول اللّه صلىاللهعليهوآله مشركا باللّه العظيم.
فما ورد عليكم من خبرين مختلفين فاعرضوهما على كتاب اللّه، فما كانفي كتاب اللّه موجودا حلالاً أو حراما فاتّبعوا ما وافق الكتاب، وما لم يكنفي الكتاب فاعرضوه على سنن رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ، فما كان في السنّة موجودمنهيّا عنه نهي حرام ومأمورا به عن رسول اللّه صلىاللهعليهوآله أمر إلزام فاتّبعوا موافق نهي رسول اللّه صلىاللهعليهوآله وأمره، وما كان في السنّة نهي إعافة أو كراهة ثمّكان الخبر الأخير خلافه فذلك رخصة فيما عافه رسول اللّه صلىاللهعليهوآله وكرهه ولميحرّمه، فذلك الذي يسع الأخذ بهما جميعا، وبأيّهما شئت وسعك الاختيارمن باب التسليم والاتّباع والردّ إلى رسول اللّه صلىاللهعليهوآله وما لم تجدوه في شيءمن هذه الوجوه فردّوا إلينا علمه، فنحن أولى بذلك، ولا تقولوا فيه بآرائكم،وعليكم بالكفّ والتثبّت والوقوف وأنتم طالبون باحثون حتّى يأتيكم البيانمن عندنا»(4).
- (2) عاف الطعام: كرهه. م ح ـ ى.
- (3) هكذا في الوسائل، وفي العيون: «الخبران». م ح ـ ى.
ج6
قال الصدوق رحمهالله في ذيل هذه الرواية: كان شيخنا محمّد بن الحسن بن أحمدبن الوليد رضىاللهعنه سيّئ الرأي في محمّد بن عبد اللّه المسمعي راوي هذا الحديث،وإنّما أخرجت هذا الخبر في هذا الكتاب، لأنّه كان في كتاب الرحمة، وقد قرأتهعليه، فلم ينكره ورواه لي.
وقال الشيخ الحرّفي الوسائل في ذيلها: أقول: ذكر الصدوق أنّه نقل هذا منكتاب الرحمة لسعد بن عبد اللّه، وذكر في الفقيه أنّه من الاُصول والكتب التيعليها المعوّل وإليها المرجع.
وكيف كان، فهذا الخبر لا يدلّ على الجمع المتقدّم، لأنّ صدره مربوطبالترجيح بكتاب اللّه وسنّة رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ولا يرتبط بالمتكافئين.
وأمّا قوله: «وإنّ اللّه نهى عن أشياء ليس نهي حرام» إلى قوله: «مشركباللّه العظيم» فهو لا يدلّ على التخيير الظاهري الذي نحن بصدده، بل علىالتخيير الواقعي، فهو يدلّ على عدم المعارضة بين الخبر الدالّ على الاستحبابوالكراهة والدالّ على الرخصة في الترك أو الفعل.
والشاهد على هذا قوله: «أو بهما جميعا» إذ لا يمكن الأخذ بكليهما إلاّ إذا لميكونا متعارضين.
نعم، ذيلها يدلّ على التوقّف، فهو من أخبار التوقّف، من دون أن يكوندليلاً على الجمع المتقدّم.
ولو لم نناقش في سند هذه الرواية لكانت ردّا على ما ذهب إليهبعض الأعلام من أنّ الدالّ على التوقّف روايتان: إحداهما: مقبولةعمر بن حنظلة(1)، والاُخرى: رواية سماعة(2)، وهما مع ضعفهما سند
- (1) وسائل الشيعة 27: 113، كتاب القضاء، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 21، وعيون أخبارالرضا 2: 20، الباب 30 فيما جاء عن الرضا عليهالسلام من الأخبار المنثورة، الحديث 45.
- (2) وسائل الشيعة 27: 106، كتاب القضاء، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.
(صفحه462)
متعارضان(1).
فإنّ هذه الرواية تكون رواية ثالثةً دالّة على التوقّف.
نتيجة البحث
والحاصل: أنّ الحقّ في الجمع بين الأخبار ما ذهب إليه سيّدنا الاُستاذالأعظم الإمام«مدّ ظلّه» من أنّ أخبار التخيير نصّ في جواز الأخذ بأحدالمتعارضين وأخبار التوقّف ظاهرة في وجوب الإرجاء وحرمة العمل بهما،ومقتضى القاعدة هو الأخذ بأخبار التخيير وحمل أحاديث التوقّف علىرجحانه، بل يمكن القول بكون الأمر فيها إرشاديّا، لا مولويّا.
فالشهرة الفتوائيّة وإن كانت على خلاف القاعدة الأوّليّة في المتكافئين كمتقدّم(2)، إلاّ أنّها توافق الأخبار الواردة في المقام.
- (1) وسائل الشيعة 27: 122، كتاب القضاء، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 42.
- (2) مصباح الاُصول 3: 404.
ج6
(صفحه464)
بقي التنبيه على اُمور
في أنّ التخيير في المسألة الاُصوليّة
الأوّل: لا إشكال في أنّ التخيير في الأخذ بأحد الخبرين ليس من قبيلالتخيير في المسألة الفرعيّة، بل في المسألة الاُصوليّة، ضرورة أنّ معناه أنّالمجتهد مخيّر عند الفتوى في الأخذ بأحد الخبرين، لا أنّه حكم من الأحكامالفرعيّة، كالتخيير بين خصال الكفّارة.
نعم، سيجيء البحث في أنّ التخيير في الأخذ بأحد الخبرين المتكافئين هلهو مختصّ بالمجتهد أو يعمّ المقلّد أيضاً.
ثمّ إنّ هاهنا إشكالاً، وهو أنّه كيف يحكم العقل والعقلاء بتساقط المتكافئينوالأخبار بالتخيير؟
واُجيب عنه بوجوه:
أ ـ أنّ العقل والعقلاء يحكمان بتساقطهما من حيث طريقيّتهما إلى الواقعوكاشفيّتهما عنه ولا يخطّئهما الأخبار العلاجيّة في ذلك، لكنّها تجعل حكمظاهريّا للشاكّ المتحيّر في وظيفته العمليّة بعد تساقطهما بحكم العقل والعقلاء،فمعنى التخيير المستفاد من الأخبار من قبيل الأصل المعوّل عليه لدى الشكّ فيالوظيفة.